ادريس طيطي – مجرد رأي دعونا نسلط الضوء على الحرب الدائرة اليوم مع إيران، لا باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كتحول خطير في مسار الصراعات في الشرق الأوسط. فقرار الولايات المتحدة الدخول في حرب مباشرة مع دولة إيران يطرح سؤالا جوهريا: هل كان خيارا استراتيجيا محسوبا، أم مقامرة سياسية قد تتحول إلى حرب طويلة لا يمكن التحكم في مآلاتها؟ المفارقة أن هذه المواجهة جاءت في وقت كانت فيه القنوات الدبلوماسية لم تغلق بعد. فقد كانت جولات التفاوض مستمرة، وكان بالإمكان توسيع دائرة التشاور مع الحلفاء وبناء تحالف دولي أوسع قبل الذهاب إلى الخيار العسكري. غير أن القرار جاء سريعا، وكأن الحسابات السياسية سبقت الحسابات الاستراتيجية. وهنا يبرز بوضوح الدور الذي لعبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي ظل لسنوات يدفع نحو مواجهة مباشرة مع إيران باعتبارها التهديد الأكبر لأمن إسرائيل. ويبدو أن نتنياهو نجح، إلى حد بعيد، في إقناع واشنطن بأن ضرب إيران قد يشكل إنجازا تاريخيا يعيد رسم موازين القوى في المنطقة. غير أن التاريخ القريب يذكرنا بأن الحروب التي تبدأ بهذه الحسابات غالبا ما تنتهي بنتائج مختلفة تماماً عما خطط لها. يكفي استحضار تجربتي العراق وأفغانستان. في الحالتين دخلت الولايات المتحدة الحرب بقوة عسكرية هائلة وأسقطت الأنظمة بسرعة، لكن ما أعقب ذلك كان سنوات طويلة من الاستنزاف، قتل خلالها آلاف الجنود الأميركيين، وتكبدت واشنطن كلفة مالية وسياسية باهظة. في العراق، أدى سقوط النظام إلى فراغ أمني واسع، سرعان ما ملأته الميليشيات والتنظيمات المسلحة، وظهرت جماعات متطرفة حولت البلاد إلى ساحة صراع معقدة. وفي أفغانستان انتهت أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة بانسحاب مرتبك بعد عشرين عاما من القتال، دون أن يتحقق الهدف السياسي الذي رفعت شعاراته في بداية الحرب. هذا الدرس يفرض نفسه اليوم عند النظر إلى إيران. فحتى لو تمكنت الضربات العسكرية من إضعاف الدولة أو تدمير بنيتها العسكرية، فإن السؤال الحقيقي يبدأ بعد ذلك: ماذا سيحدث داخل بلد كبير ومعقد كإيران إذا اهتزت مؤسساته أو دخل في حالة فراغ سياسي؟ التجربة العراقية تشير إلى أن سقوط الدول لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام انتشار الجماعات المسلحة وبؤر التسلح والصراعات الداخلية. وفي مثل هذا السيناريو قد تتحول إيران إلى ساحة حروب متعددة، تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والطائفية، وتظهر فيها جماعات جديدة قد تكون أكثر تشددا وعنفا. وحتى إذا لم تصل الحرب إلى حد انهيار الدولة، فإن احتمال تحولها إلى حرب استنزاف طويلة يظل قائماً بقوة. فالتجربة في المنطقة تؤكد أن التفوق العسكري لا يعني دائما الحسم السريع. يكفي النظر إلى الحرب في غزة. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري الهائل والدعم الكبير الذي تحصل عليه من الولايات المتحدة، خاضت حربا طويلة هناك دون أن تتمكن من إنهاء الصراع بشكل حاسم. لقد تحولت تلك الحرب إلى استنزاف عسكري ونفسي واقتصادي، حتى بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي نفسه الذي عاش فترات طويلة تحت التهديد وفي الملاجئ. إيران، من جهتها، ليست في أفضل حالاتها. اقتصادها يعاني منذ سنوات، كما أن اختراقات أمنية واستخباراتية كبيرة سمحت باستهداف عدد من قادتها ومواقعها الحساسة. وقد أظهرت هذه الضربات أن بنية الأمن داخلها تعرضت لاهتزاز واضح. لكن ضعف الدولة لا يعني بالضرورة استسلامها. ففي كثير من الأحيان تتحول الدول التي تدخل في صراع وجودي إلى ساحات مقاومة طويلة، خصوصاً عندما تشعر بأنها لم تعد تملك الكثير لتخسره. كما أن الحرب في حد ذاتها قد تفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً. فإذا تحولت إيران إلى ساحة اضطراب طويل، فقد تنتشر بؤر التسلح والعنف في المنطقة بأكملها، وقد تتداخل الصراعات الداخلية مع حسابات القوى الإقليمية. وفي هذه الحالة لن يقتصر الثمن على الأطراف المباشرة للحرب، بل سيمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي أيضا، خاصة إذا طال أمد التوتر في مناطق حيوية للطاقة والملاحة الدولية. لهذا يبدو السؤال المطروح اليوم أكبر من مجرد تقييم ضربة عسكرية أو معركة محدودة. السؤال الحقيقي يتعلق بما إذا كان القرار الأميركي قد فتح الباب أمام فصل جديد من حروب الشرق الأوسط، تلك الحروب التي تبدأ عادة بضربات خاطفة ثم تتحول إلى نزاعات طويلة يستنزف فيها الجميع. قد يعتقد البعض أن إسقاط قادة أو تدمير منشآت قد يغير المعادلة بسرعة، لكن تجارب العقود الأخيرة تثبت أن الحروب في هذه المنطقة نادرا ما تنتهي كما تبدأ. فإسقاط الأنظمة قد يكون سهلاً، أما إدارة ما يأتي بعد ذلك فهو الجزء الأصعب. ولهذا يبقى الاحتمال الأكثر واقعية أن تتحول هذه المواجهة، إذا لم تتوقف سريعا عبر اتفاق سياسي، إلى حرب استنزاف جديدة قد تذكر العالم بتجارب العراق وأفغانستان. وعندها لن يكون السؤال من انتصر في البداية، بل من يستطيع تحمل كلفة حرب قد تطول لسنوات..