(هدنة على جسر ما بين “ستيني في ليل المدينة” و”ستيني في مدينة البؤساء”)

ادارة النشر20 أغسطس 2025آخر تحديث :
(هدنة على جسر ما بين “ستيني في ليل المدينة” و”ستيني في مدينة البؤساء”)

إدريس طيطي

في كل مرة أظن أنني أستطيع أن أضع فاصلا، أن أترك خلفي الستيني الذي ينهشني بحكاياته، أكتشف أنني مجرد عابر فوق جسر اسمه “هدنة”. هدنة قصيرة ما بين مدينتين، ما بين ليل وبؤس، ما بين الماضي الذي يسكنني والحاضر الذي يخاصمني والمستقبل الذي يترصدني من بعيد.

وأنا أكتب لكم اليوم، لا أخفيكم أنني أشعر ببعض التردد. أعتذر من قرائي الذين اعتادوا أن يجدوا عندي حكاية تنبض بالشوارع والوجوه، فربما هذا النص سيربككم، ربما سأدوخكم أو أضللكم قليلا، لأنني اخترت أن أقحمكم في داخلي هذه المرة، أن أجعلكم شهودا على صراعي مع ذاتي بدل أن أروي عن الآخرين.

اليوم جلست مع نفسي، جلسة مكاشفة، اعتراف طويل لا يحتمل أن أكون فيه سوى أنا ووجهي في المرآة. قلت لنفسي: دعنا نحاسب بعضنا بعضا. ماذا فعلت يا إدريس بكل ما حملته على كتفيك؟ هل ظلمت أحدا؟ هل ظلمك من ظلمك لأنك كنت ضعيفا أم لأنك أعددت له الظروف ليجرحك؟ هل كنت ذلك الذي يفتح الأبواب لجلاده ثم يشتكي من السياط؟

كل هذه الأسئلة طفت على السطح، وأنا في صراع داخلي مع ذواتي. أجدني أتحاور مع نفسي، وأعاندها، ثم يظهر ذلك الكيان الثالث الذي أسميه “أنايا” يتدخل في كل شيء. أحيانا أرى نفسي منقسما إلى ثلاث طبقات:

أنا: الرجل البسيط الذي يريد حياة عادية مع أسرته.

نفسي: المثقلة بالحسابات، بالندم، بالأخطاء التي لا تغتفر.

أنايا: ذلك الجزء الغامض الذي يقرر عني أحيانا، دون إذن مني، ويزج بي في طرق لم أخترها.

أتساءل: من فينا أقوى؟ من فينا يملك الكلمة الأخيرة؟ هل هو إدريس الذي يكتب ويعترف؟ أم الستيني الذي يتربص خلف ستائر الليل؟ أم أنايا الذي يقرر في صمت؟

قد أبدو كمن يتشظى، لكنني أعتقد أن هذا الحوار الداخلي هو الذي يمنحني القدرة على الاستمرار. هو الذي يصوغ السرد ويعطيه طعما، حتى وإن كان مرا أحيانا. لولا هذا الصراع ما كتبت، ولولا هذا الانقسام ما كان للقصص أن تتسلل إلى قهوتي السمراء فتجعلها أكثر مرارة من طعم البن.

اليوم، وأنا في قنيطرتي، في هدنة لا أعرف كم ستدوم، أضع يدي على صدري وأسأل: هل أنا صنيعة الماضي أم أنا سجينه؟ هل أعيش الحاضر فعلا أم أنني أهرب منه عبر حكايات الآخرين؟ هل مستقبلي امتداد لهذا الصراع، أم أنه خلاص ينتظرني إن أنا تصالحت مع أنايا؟

قد لا أجد الجواب الآن. لكنني أدرك أن “جلسة الاعتراف” هذه ليست هروبا بل مواجهة. مواجهة بين إدريس الذي يحلم بالسكينة، والستيني الذي يقتات من وجع الآخرين، وأنايا الذي يخط خيوط الطريق دون أن أستأذنه.

إنها هدنة، نعم. لكنها هدنة لا تفضي إلى صمت. هدنة على جسر يمتد بين ما كنت وما سأكون. هدنة قد تنتهي بقصة أخرى من ليالي المدينة، أو ببوح جديد من مدينة البؤساء.

لكن الأكيد أنني اليوم لست صامتا. اليوم أكتب، وأعترف، وأترك أنايا يتكلم معي لا عني.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة