لطيفة الطويلب / أولاد تايمة تعيش مدينة أولاد تايمة مخاضا سياسيا حارقا، بعدما إنتشر الحديث حول مبادرة منسوبة لأحد ممثلي حزب سياسي محلي بتايمة أصبح الجرار يحرث بلا زريعة وفي أرض قاحلة بلا مطر !!! حيث تزعم تأطير الشباب للهجرة نحو الضفة الأخرى مقابل عروض مالية مغرية. وكون ممثل أحد مناضلي وممثلي هذا الحزب داخل الأغلبية المسيرة لمجلس جماعة أولاد تايمة والذي وضع على صفحته الخبر بتأطير الشباب للهجرة داخل مقر حزبه، فإن مجرد تداول هذا الطرح يكشف حجم الانحراف الخطير الذي قد يطال أحيانا الممارسة السياسية، حين يتحول الحزب من مؤسسة للتأطير والاقتراح والدفاع عن الوطن إلى كيان يبحث عن التموقع بأي وسيلة، حتى وإن كانت على حساب وعي الشباب واستقرار المجتمع.
لقد عانت المنطقة خلال السنوات الأخيرة من أزمة اقتصادية خانقة بسبب الجفاف وتراجع الفلاحة، ما تسبب في إنهيار مصادر رزق آلاف الأسر وتفاقم بطالة الشباب. لكن بدل أن تتحمل بعض الأحزاب مسؤوليتها التاريخية في إبتكار حلول واقعية وإطلاق مبادرات تنموية خلاقة، نجد من يختار الطريق الأسهل والأخطر تقديم الحلم بالهجرة كمنتوج سياسي، وكأن المستقبل خارج الوطن وحده الذي يستحق السعي إليه، وكأن المؤسسات الحزبية فقدت رسالتها وصارت مجرد وسيط بين المواطن والضفة الأخرى.
المؤسسات الحزبية، وفق الدستور والواجب الوطني، ليست منصات لتصدير الشباب، بل فضاءات لصناعة الأمل، وللتكوين، وللدفاع عن الحقوق، لخلق التغيير داخل الوطن لا خارجه. لكن الواقع يكشف عن مفارقة صارخة، فبعض الأحزاب بمجرد الوصول إلى السلطة تنغمس في حسابات صغيرة وصراعات داخلية لا تنتهي، وتدرج في خطابها بين المعارضة والتسيير حسب المصلحة، فتربك المواطن وتضعف الثقة وتزيد الفجوة بينه وبين السياسة.
وما يزيد الوضع قتامة هو أن السنوات الخمس التي يفترض أن تكون محطة للعمل والإنجاز تتحول في كثير من الأحيان إلى مسرح للتجاذبات، وتأجيل القرارات، وتغيير أوإلغاء دفاتر التحملات لخدمة أهداف ضيقة لا علاقة لها بمصالح الساكنة. في ظل هذا المشهد، تتبخر الوعود، وتختفي البرامج الانتخابية، وتبقى التنمية معلقة على رف الانتظار، في حين نجد مجموعة من الشباب يعانون أمام واقع بلا بوابة ولا نافذة.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة هو هل ما زالت الأحزاب السياسية قادرة على حمل رسالتها الوطنية؟ هل ما زالت مؤهلة لتأطير الشباب وإعدادهم للمشاركة في بناء الوطن؟ أم أنها تحولت إلى أدوات لإعادة إنتاج الإحباط وتغذية نزعة الهجرة وقطع الصلة بين المواطن وبلده؟
إن المرحلة التي تعيشها أولاد تايمة لا تسمح بالمزيد من التبريرات أو الهروب إلى الأمام. إنها مرحلة تتطلب جرأة في الاعتراف بأن الثقة السياسية تآكلت، وأن المواطن بات يرى في العمل الحزبي مسرحا للكلام أكثر منه فضاء للإنجاز. وإعادة بناء هذه الثقة تمر عبر المصداقية أولا، وعبر مشاريع ملموسة تحدِث فرقا في حياة الناس ثانيا، وعبر إحترام القيم الوطنية التي تجمع المغاربة تحت شعار الله، الوطن، الملك، في ظل السيادة والقيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
إن المدينة، كما الوطن، تحتاج إلى أحزاب قوية تتحدث لغة الحقيقة، وتشتغل بمنطق الواجب، وتؤمن بأن التنمية ليست منة تمنح، بل مسؤولية تحمل. نحتاج إلى نخبة سياسية تضع الوطن فوق الحسابات، والشباب فوق المصالح، والعمل فوق الخطابات. يوم يتحقق ذلك، لن يعود طريق الهجرة هو الحلم الأكبر لشبابنا، بل سيكون الوطن نفسه هو الحلم الذي يستحق أن يبنى ويدافع عنه بالإصلاح الشامل لجميع القطاعات والسير بسرعة واحدة لا سرعتين.