إدريس طيطي
لم يعد عمري يحتمل الطاقات السلبية ولا يطيق مجالسة من يسحبونني الى العتمة
تذكرت قولا طالما راودني: الانسان كلما اراد ان يطرق باب السعادة فليمنحها لغيره اولا. فالذي يعطي في الحقيقة يغمره شعور اعمق بالسعادة من الذي ياخذ. وكان العطاء سرا خفيا لا يدركه الا من جرب ان يرسم ابتسامة على وجه لا يعرفه او يخفف ثقلا عن قلب ليس قلبه.
ربما لهذا السبب وفي هذه الهدنة التي اعيشها صرت ابحث عن لحظات صافية تعيدني الى نفسي. لم يعد عمري يحتمل الطاقات السلبية ولا يطيق مجالسة من يسحبونني الى العتمة. احيانا اغلق هاتفي واحيانا اعتذر عن لقاءات اعرف انني ساخرج منها مثقلا. انا الان في مرحلة افتش فيها عن الايجابيات فقط اماكنها واشخاصها واعمالها. كل ما يزرع في قلبي ومضة ضوء.
يكفيني ما حملته من حكايات الستيني في مدينة البؤساء وما راكمته من وجع في محطاته السابقة. لذلك اطمئن قرائي ان السلسلة ستعود في جزئها الثاني لكنني الان اتنفس في فسحة قصيرة اترك فيها للذكريات المبهجة ان تطرق ابواب قلبي.
ومن بين تلك الذكريات تظل لحظات مع الاطفال هي الاقرب والاصدق. هناك فقط اشعر انني استعيد نقاء ضاع في زحمة العمر. وتذكرت لعبة البالونات.
جمعنا الاطفال وزعنا عليهم بالونات ملونة كتبوا عليها اسماءهم ثم اطلقت اشارة الانطلاق ليبحث كل واحد عن بالونته. كان المشهد صاخبا فوضى وضحكات ودموع وارتطامات. بالونات انفجرت واخرى ضاعت ولم ينجح سوى قلة قليلة ان تجد بالونتها وكان الصدفة وحدها انقذتهم.
لكن حين غيرنا القاعدة وطلبت من كل طفل ان يبحث عن بالونة غيره ويمنحها له تبدل كل شيء. في اقل من دقيقة صار كل واحد يحمل بالونته بلا خسائر ولا دموع. كانت الابتسامات تلك اللحظة اصدق من اي درس نظري.
وقفت اتاملهم وقلت في نفسي ها هي السعادة. لا نجدها بالركض وراءها وحدنا بل حين نمنحها للاخرين.
تلك اللعبة الصغيرة كانت انعكاسا لحقيقتي انا ايضا. انني في هذه الهدنة لست باحثا عن بالونتي وحدي بل عن فسحة اوسع من العطاء عن حياة لا تثقلها الطاقات السلبية بل يضيئها الامل والعمل الجماعي.











