هذا أنا كعادتي أحاول أن أفهم كيف يمكن لصورة واحدة أن تختصر كل هذا التناقض. إيران تضرب العراق والبحرين وسوريا والعديد من الدول التي يعيش فيها الشيعة، وصواريخ تهدد أمن الشعوب، ويخرج بعضهم يفرح ويبارك. أبناء هذه الدول ما يهدد وطنهم، وكأن التعصب والانتماء الطائفي قد أعمى أبصارهم وقلوبهم عن الواجب الأعظم: حماية الوطن. أعلم أن العديد لا يزال يحاول تفكيك ما رأى، يحاول فهم كيف يمكن لمشهد كهذا أن يحدث، وكيف يبارك البعض صواريخ تهدد أمنهم. صاروخ واحد قد يزعزع الأمان ويخيف من يسكن بجوارك، لكنه بالنسبة لهم مناسبة للفرح. مشهد يصعب على العقل استيعابه، ويطرح سؤالا عميقا عن أولويات الولاء والانتماء. لا شيء أغلى من الروح، ولا شيء أهم من الوطن وسلامة أهله. حب الوطن في كل زمان ومكان جزء من الإيمان، لأنه يعكس ولاءً للقيم الإنسانية وللأرض التي تجمعنا. هنا يتضح الفرق في الصفات والسلوك. الكل يعلم السنة وتعايشهم اقتداءً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: المحبة، السلام، الخير، واحترام الآخرين، والحفاظ على أمن واستقرار وطنهم. هم الذين يضعون الوطن فوق أي ولاء آخر، ويعرفون أن حماية الأرض التي تجمعهم أهم من أي انتصار رمزي بعيد. أما بعض من ينتمون للشيعة في العراق والبحرين وسوريا فهم قادرون على التعايش أحيانا، ولكن غالبا ما يكون ذلك مجرد تقية، خصوصا إذا كانوا أقلية وضعفاء. لكن حين تتاح لهم الفرصة أو يعتقدون أن لهم الغلبة قد يظهر الخطر الحقيقي. فهم في داخلهم، وفق رؤيتهم، يؤمنون أحيانا بأن مال وعرض السني حلال على الشيعي، ويستبيحون حتى دمه إذا ما سنحت الظروف، ويصبح الولاء لمبدأ أو محور بعيد أحيانا أهم من الولاء للوطن. التعصب الذي يسبق الوطنية هنا لا يقتصر على رأي أو شعور، بل يتحول إلى تهديد حقيقي لكل من يعيش على أرض الوطن. وهنا تأتي الفكرة التي يحذر منها الكثيرون: المد الشيعي والامتداد الخارجي للأفكار والمبادئ التي تقود بعض أبنائه في العراق والبحرين وسوريا ودول أخرى إلى وضع الولاء لمصالح خارجية فوق الوطن، وخلق بيئة يباركون فيها ما يهدد الأمان الداخلي. هذا المد ليس مجرد قلق سياسي، بل اختبار حقيقي لوعي المجتمع، ولتوازن الولاء بين الانتماء الوطني والانتماء الطائفي الخارجي. وخطره الأكبر أنه إذا نجح يؤدي إلى خنق السني وتهديد وجوده الاجتماعي والسياسي وحتى الأمني داخل هذه الدول. قد يختلف الناس عقائديا وسياسيا واجتماعيا، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي. لكن أن يتحول الولاء إلى الخارج على حساب الداخل فذلك يخلق خللا في ترتيب الأولويات. الصاروخ لا يميز بين مذهب وآخر، والاضطراب لا يسأل عن الهوية قبل أن يهز الاقتصاد ويقلق الأسر ويزرع الخوف في القلوب. الوطن ليس شعارا نرفعه حين يناسبنا ونتجاهله حين تضطرب ولاءاتنا. الوطن مسؤولية مشتركة، وأمنه عقد ضمني بين كل من يعيش فوق أرضه. حين ينزف الوطن كما ينزف في العراق والبحرين وسوريا الآن، يفترض أن يكون الألم جماعيا، لا أن ينقسم الناس بين من يقلق ومن يباركون. قد يختلف كثيرون معي، وقد يرون في كلامي انفعالا أو مبالغة، لكن أقولها كما أشعر بها: أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس اختلاف المذاهب، بل لحظة يختل فيها ميزان الانتماء، فيصبح الخارج أقرب إلى القلب من الداخل. حين يتقدم التعصب العقائدي أو المذهبي على الوطنية يتحول من رأي إلى تهديد حقيقي. ومهما اختلفنا داخله تبقى هذه الدول سقفها الوحيد، الذي إن تصدع سقط عليهم جميعا، وسقط معه معنى الانتماء الحقيقي.