” ستيني في ليل المدينة – رحلة الأمومة “

ادارة النشر17 يوليو 2025آخر تحديث :
” ستيني في ليل المدينة – رحلة الأمومة “

إدريس طيطي
الخيال الواحد والعشرون

لست أدري اليوم ما بي…

أفكر في أشياء قد تجرنِي للعصيان، ثم أستغفر ربي… وأقول: هو يعلم، وهو علام الغيوب.

صدفة لا تشبه الصدف، وجدت نفسي أمام باب السجن المحلي. لم أخطط لشيء، لم أكن أبحث عن أحد، فقط ساقني قدري… أو ساقني الله. وهناك، التقيت بها.

امرأة تثرثر للجميع. تحكي دون أن يطلب منها أحد الحكي. تصرخ في الفضاء: “ليتني كنت عاقرا… ليتني لم أنجب!”

ابتسمت في سري… ابتسامة ساخرة مرة. تساءلت في داخلي: ماذا رأت هذه المرأة في الأمومة حتى تتمنى العقم؟! الناس تبكي، تدفع، تتوسل لتنجب… أي وجع ذاقت، جعلها تتمنى ألا يكون لها ولد قط؟!

استدارت إليّ… رمت بنظرها نحوي، وأشركتني حكايتها، شكواها، أنينها.

قلت لها بلين: “استعيذي بالله… سيكون خيرا إن شاء الله.”

ولكنها لم تستعذ… بل رمقتني بنظرة كأنها صفعة: “كيف أستعيذ؟! كيف أستغفر؟! أنت لا تدري… لا تدري نوع معاناتي!”

ثم أخذت تتكلم… كأن شريطا عالقا بدمها ودماغها… راحت تدعو… على نفسها، على ولدها، على زوجها، على المجتمع.

انتظرتها حتى هدأت، وقلت لنفسي: أيها الستيني، استعمل حنكَتك… لطالما قنصت الحكايات، وانتزعت الأسرار من أفواه مغلقة. الآن، استدرجها برحمة، لا بحشرية.

قلت لها بهدوء: “ما بك؟”

أجابت، وعيناه كدمعتين تحترقان: “ولدي الوحيد… كان صالحا، طيبا… حتى اختطفوه أصحاب السوء، الشيطان في هيئة أصدقاء. رموه في مستنقع المخدرات، سكر، ضياع. باع كل ما في البيت… وأخيرا، ضرب أباه في نوبة جنون.”

سكتت قليلا… ثم واصلت: “أبوه شكا عليه… ودخل السجن. سنتان خلف القضبان. ولأنني أم، حاولت أن أزوره، أن أقف بجانبه… لكن أباه هددني بالطلاق إن فعلت.”

“أنا بين المطرقة والسندان… ولدي الوحيد، سندي، أملي، أمسى عارا، ومجتمعي لا يرحم. أشتاق إليه، ولكنني لا أجرؤ على الاقتراب…”

“ليتني كنت عاقرا…”

سكت، وسكن المكان…

دعوت لها في سري، ثم غادرتها. ولكنني لم أستطع مغادرة أفكاري.

قلت لنفسي وأنا أسير في المدينة: أيُعقل أن ممن حرموا من الأولاد… كان في حيرتهم رحمة؟! أن الله نجّاهم من هذا الوجع، من هذه الحيرة، من هذا العذاب؟! أترا من لم يرزق، كان محبوبا في علم الله الخفي، فأعفي؟

تذكرت “يزة”…

امرأة من أقاربنا، كبيرة في السن، وجدنا عندها طفلا صغيرا… سألتها والدتي بدهشة: “هل ستربين هذا الطفل؟! في هذا العمر؟!”

فقالت ضاحكة: “على الأقل… عندما أعجز وأعطش، عساه يسكيني ماء يعتق روحي.”

ربته، علمته، صار مسؤولا كبيرا، وحج بها إلى بيت الله، وعاشت في بيته ملكة حتى وافتها المنية.

وهنا… وقفت فجأة في زقاق المدينة، وهمست لنفسي: سبحانك ربي… ما أعجب حكمتك! هناك من ينبتهُم الله في قلوبنا، فيصيرون لنا أعز من صلب، وهناك من نخرجهم من أصلابنا… فيردوننا طعنات! ما أكثر ما رأيت من آباء يجلدون عند بوابات السجون بأولاد من صلبهم، وما أكثر ما رأيت من عاقرين صار لهم التبني نعمة، بل حجا، وعزا، وخلودا في دعاء ابن ليس من دمهم، لكنه من رحمة الله التي وسعت كل شيء.

كل شيء بقدر.

أنا الستيني في ليل المدينة، لا أزعم أنني فهمت الحياة… ولكنني كلما سمعت قصة… علمت أن لله حكمة أعظم من عقولنا، وأوسع من قلوبنا.

كل ما أستطيع قوله الآن: “الله يعلم… والله أرحم.”

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة