كبرت وأنا أسمع من أمي عبارة كانت ترددها كما لو كانت وصية: مهنة التعليم مهنة شريفة. وكنت أستغرب أحيانًا من أين جاءت بهذا اليقين، حتى حكت لي أن جدي، رحمه الله، كان يقولها لأولاده. فقد كان المعلم الوحيد للغة العربية في مدينة سوق الأربعاء آنذاك، في زمن كانت فيه المدارس فرنسية والأساتذة فرنسيين، لكنه بقي، وحيدًا، كشمعة عربية في ذلك الظلام الاستعماري. كان يحث أبناءه على التعليم، ويقنعهم أن الشرف يبدأ من طبشور المعلم وينتهي عند قلوب التلاميذ. كبرت على تلك القناعة، وورثتها أمي مني كما ورثتها هي من أبيها.
ولذلك حين رأيت ذلك الشاب الملقب بــ مول الحوت يتباهى بسيارته على رجل تعليم، شعرت بأن شيئًا ما انكسر داخلي. ليس لأن الشاب أصبح غنيًا أو تحسنت أحواله، فالمغاربة بطبعهم يعاونون الضعيف ويدعمونه بلا حساب. يكفيهم أن يروا إنسانًا في ضيق ليقولوا له: الله يعاون، الله يسهل. وهذه خصلة راسخة فينا، لا ننكرها ولا نتخلى عنها. لذلك تعاطف معه المغاربة حين ظهر وهو يبيع السمك بثمن بخس، رغم أن الجميع يعرف أن الحوت دلالة وثمنه يتغير كل يوم، ومع ذلك غضوا الطرف وساعدوه ودفعوه للأمام.
لكن المشكل لم يكن في البدايات، بل في تلك اللحظة التي ركب فيها سيارته ووقف أمام رجل تعليم، الرجل الذي علمه وفتح عينيه على أولى الحروف، ليتباهى عليه ويتحكم فيه كأنه انتصر عليه. هناك فقط سقط من عين المغاربة.
كان عليه، لو كان يعرف قدر نفسه وقيمة من علمه، أن ينزل من سيارته ويتجه نحو أستاذه ويقبل يده ورأسه. كان عليه أن يظهر للناس أن المال لا يصنع الكرامة، وأن السيارة كيفما كانت لا تساوي شيئًا أمام رجل أفنى عمره في التعليم. كان عليه أن يعطي درسًا للأجيال، لا أن يضيف مشهدًا جديدًا من مشاهد الغرور.
ولو أنه فعل ذلك، ولو أنه سجله وصوره، لزاد احترام الناس له، ولرفعوه أكثر مما رفعوه. لأن المغاربة لا يكرهون النجاح، لكنهم يكرهون حين يطغى النجاح على الأصل، وحين ينسى الإنسان من أين جاء ومن علمه ومن وقف معه يوم كان لا يملك شيئًا.
أما الآن، فقد نزل من أعين المغاربة. سقط لأن سلوكه كان صادمًا ومناقضًا للقيم التي تربينا عليها. ومع ذلك فإن الرسالة تبقى واضحة: رجل التعليم يبقى فوق، مهما تغيرت الظروف ومهما تبدلت الأيام. ومن احترم معلمه احترمه الناس، ومن تطاول عليه خسر نفسه قبل أن يخسرهم.