حين تتراجع الصادرات الفلاحية المغربية.. أسواق إفريقية تكتشف قيمة المغرب!

ادارة النشرمنذ 35 دقيقةآخر تحديث :
حين تتراجع الصادرات الفلاحية المغربية.. أسواق إفريقية تكتشف قيمة المغرب!
بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي –
لم يكن القرار المغربي القاضي بتنظيم صادرات المنتجات الفلاحية نحو الأسواق الإفريقية مجرد إجراء تجاري عابر، بل كشف عن حقيقة اقتصادية تستحق التأمل: المغرب ليس فقط بلدا يصدر الخضر والفواكه إلى محيطه الإفريقي، بل يشكل بالنسبة إلى عدد من الأسواق شريانا أساسيا للتموين ومصدرا مهما لتوفير مواد غذائية يحتاجها المواطنون في حياتهم اليومية.
فالمغرب يعيش بدوره على وقع موجة غلاء طالت عددا من المنتجات الفلاحية، ولم تعد المسألة مرتبطة بالطماطم وحدها، بل امتدت إلى البطاطس والبصل والجزر والفلفل وغيرها من الخضر والفواكه التي تشكل أساس المائدة المغربية. وقد أثار هذا الارتفاع استياء المستهلكين، وفرض على السلطات التفكير في إجراءات تعيد التوازن بين الكميات الموجهة إلى التصدير والحاجيات الفعلية للسوق الوطنية.
وفي هذا السياق، اتجهت السلطات المغربية خلال الأيام الأخيرة إلى تنظيم الصادرات الفلاحية نحو الأسواق الإفريقية، من خلال تعليق منح تراخيص جديدة لبعض الشحنات، إلى جانب وقف مؤقت لصادرات الطماطم نحو هذه الأسواق. وهي تدابير لا تعني إلغاء جميع العقود أو منع كل الصادرات، وإنما تروم إعطاء الأولوية لتموين السوق الداخلية وحماية القدرة الشرائية للمواطن المغربي.
ورغم هذه الإجراءات، ما تزال أسعار عدد من الخضر مرتفعة في الأسواق المغربية، وهو ما يعني أن أثرها لن يظهر بالضرورة بصورة فورية. غير أن الرهان يبقى على أن يساهم تنظيم الصادرات وتحسين وفرة المنتجات في تخفيف الضغط على السوق الداخلية خلال الفترة المقبلة، شريطة أن تواكب ذلك مراقبة مسالك التوزيع والحد من تعدد الوسطاء والمضاربات. فالمواطن المغربي لا ينتظر مجرد قرارات، بل ينتظر أن يلمس أثرها في الأسعار التي يؤديها يوميا.
لكن ما يهمنا في هذه الواقعة ليس القرار في حد ذاته، وإنما ما كشفته تداعياته عن حجم الارتباط بين عدد من الأسواق الإفريقية والمنتوج الفلاحي المغربي. فالطماطم والبطاطس والبصل والجزر والخضر الموسمية، إلى جانب الفواكه المغربية، ليست مجرد سلع تعبر الحدود، بل منتجات تشكل جزءا مهما من منظومة التموين في عدد من الدول الإفريقية.
وموريتانيا تقدم مثالا واضحا على هذا الارتباط. فالسوق الموريتانية تستقبل كميات مهمة من المنتجات الفلاحية المغربية، حتى إن بعض المواد أصبحت حاضرة بقوة في تموين الأسواق المحلية. وتشير بيانات التجارة لسنة 2025 إلى أن المغرب وفر نحو 99.6 في المائة من واردات موريتانيا المسجلة من الطماطم الطازجة، وهو رقم يكشف حجم الاعتماد على المنتوج المغربي في هذا الصنف تحديدا.
ولذلك، فإن أي اضطراب في تدفق هذه المنتجات لا يبقى مجرد تفصيل تجاري، بل قد ينعكس على العرض والأسعار والقدرة الشرائية للمواطن الموريتاني. وهنا ينبغي على نواكشوط أن تعي جيدا معنى علاقتها الاقتصادية بالمغرب، وأن تدرك أن المملكة ليست مجرد بلد مجاور أو ممر للشاحنات، بل شريك تجاري له وزن وتأثير في استقرار أسواقها.
والأكثر إثارة للانتباه أن الاستفادة من المنتوج الفلاحي المغربي لا تقف عند حدود الدول التي تستورده مباشرة. فهناك مسارات تجارية غير مباشرة عبر الأراضي الموريتانية، تحدثت بشأنها تقارير إعلامية، تشير إلى إعادة توجيه جزء من شحنات الخضر المغربية نحو تندوف ومناطق من الجنوب الجزائري. وبذلك، فإن بعض الأسواق الجزائرية قد تستفيد بدورها من المنتجات المغربية، وإن لم تصل إليها مباشرة من المملكة.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التأمل: المغرب يصدر منتجاته إلى أسواق دول تربطه بها علاقات تجارية، وقد تصل بعض هذه المنتجات بصورة غير مباشرة إلى أسواق جزائرية، في الوقت الذي يستمر فيه خطاب الخصومة مع المملكة. وهذا يطرح سؤالا حول حجم الاستفادة الاقتصادية من المنتوج المغربي، حتى في أسواق لا تتسم علاقاتها السياسية مع الرباط بالانسجام.
إن المغرب لم يتخذ هذه الإجراءات لمعاقبة موريتانيا أو الجزائر أو أي دولة إفريقية، ولم يعلن توظيف الغذاء في خلافاته السياسية. لقد تحرك لحماية السوق الداخلية بعدما أصبح المواطن المغربي نفسه يواجه غلاء أسعار المواد الأساسية. ومن حق الدولة أن تعطي الأولوية لمواطنيها، وأن تنظم صادراتها وفق ما تقتضيه ظروف الإنتاج والتموين.
لكن من حقنا، كمحللين، أن نتساءل: ماذا لو قرر المغرب مستقبلا إعادة ترتيب أولوياته التجارية بشكل أوسع؟ وماذا لو اتجه إلى تنويع وجهات صادراته، وإعطاء الأفضلية للأسواق التي توفر للمصدرين المغاربة شروطا مستقرة، وتبني علاقاتها مع المملكة على الاحترام المتبادل والمصالح الواضحة؟
إن الأمر لا يتعلق بالدعوة إلى إغلاق الأبواب أمام إفريقيا، فالمغرب اختار التعاون جنوب-جنوب، واستثمر في علاقاته بالقارة، وفتح أمام منتجاته ومقاولاته وخبراته آفاقا واسعة. لكنه ليس ملزما بأن يظل مصدرا لتموين الأسواق الخارجية على حساب حاجيات مواطنيه، ولا أن يتعامل مع مصالحه الاقتصادية باعتبارها التزاما مفتوحا مهما كانت الظروف.
وهنا بالذات، على موريتانيا أن تعي معنى علاقتها بالمغرب. فالشراكة ليست فقط استفادة من الطماطم والبطاطس والبصل والجزر والفواكه، ولا عبور الشاحنات عبر الكركرات، بل علاقة تقوم على الثقة والتقدير المتبادل. كما أن على الجزائر أن تدرك أن المنتجات المغربية قد تصل إلى بعض أسواقها بطرق غير مباشرة، وأن أي تغيير في مسارات التصدير وإعادة التوزيع يمكن أن يعيد رسم حسابات التموين في تلك المناطق.
لقد كشفت هذه الواقعة أن قوة المغرب لا تكمن فقط في إنتاجه الفلاحي، بل كذلك في قدرته على تنظيم صادراته، وحماية أمنه الغذائي، والتحكم في أولوياته التجارية. كما كشفت أن بعض الأسواق الإفريقية لا تزال مرتبطة بدرجة كبيرة بالمنتجات المغربية، وأن تنويع مصادر التموين أصبح ضرورة لتفادي الاضطرابات.
**فالمغرب ليس مجرد مورد للطماطم والبطاطس والبصل والجزر والفواكه، وليس مجرد معبر تجاري نحو العمق الإفريقي؛ إنه بلد له مصالحه وأولوياته، ومن حقه أن يحمي مواطنيه قبل أي اعتبار آخر.**
ولعل الدرس الذي ينبغي أن تستوعبه بعض العواصم هو أن الشراكة مع المغرب مكسب اقتصادي حقيقي، لكنها لا تعني أن المملكة ستظل تتحمل وحدها أعباء التموين الخارجي مهما كانت ظروفها الداخلية. فالمغرب قادر على أن يكون شريكا أساسيا في الأمن الغذائي الإفريقي، لكنه مطالب أولا بضمان الأمن الغذائي لمواطنيه.
لقد تحدثت الأسواق هذه المرة بلغة الأرقام والتموين، وربما كانت رسالتها أوضح من كثير من التصريحات: من يريد الاستفادة من المغرب، عليه أن يدرك قيمة الشراكة معه، وأن يتعامل معه بمنطق المصالح المتبادلة، لا بمنطق الاستفادة من جهة والخصومة من جهة أخرى.
#المغرب\_وإفريقيا #الصادرات\_الفلاحية #الطماطم #البطاطس #البصل #الجزر #السيادة\_الغذائية #موريتانيا #الجزائر #معبر\_الكركرات #إدريس\_طيطي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة