ادريس طيطي (مجرد رأي) ربما سيستغرب كثيرون من هذا السلوك، لكن ما يحدث ليس معزولا عن سياق طويل من تربية إعلامية قائمة على التمويه والالتفاف على الحقائق. فحين يربى شعب على استهلاك روايات غير دقيقة، يصبح من السهل توجيه جزء منه نحو تصديق الإشاعة، بل والمساهمة في نشرها دون تمحيص. ما وقع في البليدة، كحادث خطير يحمل طابعا إرهابيا، لم يكن حدثا عاديا يمكن تجاوزه بالصمت. بل كان يستدعي وضوحا ومسؤولية في نقل الخبر، لأن مثل هذه الوقائع، رغم قسوتها، توحد العالم في إدانة الإرهاب والتضامن مع ضحاياه. فليس عيبا أن تتعرض أي دولة لتهديد إرهابي، لأن هذا الخطر يطال الجميع، ومن الصعب كبح جماح بعض التيارات المتشددة التي لا دين لها ولا وطن. غير أن الذي حدث، بحسب ما يتم تداوله، هو العكس تماما. تم اختيار التعتيم الإعلامي، وتجميد قنوات وصفحات، في مقابل تحريك منصات أخرى لنشر أخبار زائفة تستهدف المغرب. فمرة يتم الحديث عن تفجير سفارة في الرباط، ومرة عن وفاة جلالة الملك محمد السادس، ومرة عن انفجار في الدار البيضاء… أخبار لا أساس لها من الصحة، لكنها تضخ بكثافة في محاولة لخلق واقع موازٍ يلهي الرأي العام عن الحدث الحقيقي. هذا الأسلوب لم يعد مجديا في عالم أصبح قرية صغيرة، حيث تنتشر الأخبار في دقائق، بل في ثوان، وتُكشف حقيقتها بسرعة. لم يعد ممكنا إقناع الناس بروايات مفبركة، في وقت يستطيع فيه أي شخص التحقق من الخبر عبر مصادر متعددة. لذلك فإن الإصرار على هذا النهج لا يعكس فقط تأخرا في فهم طبيعة العصر، بل يضر بوعي المجتمع نفسه قبل غيره. كان الأجدر أن يتم التعامل مع ما وقع بشفافية، وأن يفتح المجال أمام الإعلام لنقل الحقيقة كما هي، لأن ذلك كفيل بجلب تعاطف دولي واسع. فالعالم كله يقف ضد العمليات الانتحارية، ويدين الإرهاب بكل أشكاله، وكان من الطبيعي أن تجد الجزائر دعما إنسانيا لو تم تقديم المعطيات بوضوح. وربما حاول البعض تبرير هذا التستر بتزامنه مع زيارة البابا إلى الجزائر، غير أن هذا الطرح لا يصمد أمام منطق الواقع. فالبابا نفسه، كرمز ديني عالمي، لا يمكن إلا أن يدين مثل هذه الأعمال من وسط الجزائر، ويعبر عن تضامنه مع أي شعب يتعرض للإرهاب، بل إن مثل هذه اللحظات كانت ستعزز قيم التضامن الإنساني بدل إضعافها. أما محاولة التستر، وربطها بسياقات أخرى كزيارات رسمية أو اعتبارات ظرفية، فلا يمكن أن تكون مبررا مقنعا. لأن الحقيقة لا تؤجل، والأحداث الكبرى لا يمكن حجبها، مهما كانت الأسباب. بل إن إخفاءها يفتح الباب أمام الإشاعات، ويفقد الثقة في الخطاب الرسمي. من جهة أخرى، فإن الزج بالشعوب في معارك افتراضية عبر الأخبار الزائفة لا يخدم أحدا، بل يعمق الفجوة ويغذي التوتر. فالمغاربة، قيادة وشعبا، كانوا وسيظلون من أوائل المتضامنين مع أي شعب يواجه خطر الإرهاب، انطلاقا من قناعة راسخة بأن هذا الخطر مشترك، وأن مواجهته تتطلب تكتلا لا تفرقة. ،لم يعد العالم كما كان. لم تعد الحقيقة تُخفى، ولا الوعي يُخدع بسهولة. فإما اختيار طريق الوضوح والمسؤولية، أو الاستمرار في صناعة أوهام سرعان ما تتبخر أمام سرعة الحقيقة