إدريس طيطي/ مجرد رأي سبق أن تطرقنا إلى موضوع الأطفال الذين نرافقهم في مرحلة القاصرين، وكيف يصبحون غدا شبابا يحتاج إليهم المجتمع، شبابا يعرف معنى المسؤولية ويعرف ما له وما عليه. لكن هذه المرة أتحدث من تجربة عشتها، لا من موقع التنظير. نحن كفاعلين جمعويين تربينا بدورنا على يد من سبقونا، وتلقينا منهم التأطير والتكوين، ولذلك عندما بدأنا الاشتغال في المجال التربوي ، كان سؤالنا بسيطا: لماذا لا ننقل ما تعلمناه إلى الأطفال؟ دخلنا المؤسسات التعليمية ونحن نحمل أفكارا وأنشطة في المسرح والثقافة والرحلات والتوعية. لم نكن نريد أن نأخذ مكان الأستاذ، وإنما أن نضيف شيئا إلى المدرسة. كنا نريد أن نساعد الطفل على اكتشاف قدراته، وأن نبعده عن بعض مخاطر الشارع، عن التعلق بالحافلات، واللعب في أماكن خطرة، وعن بعض السلوكيات التي كانت ترافق عاشوراء، وأن نجعله يعيش معنى الوطنية والعمل الجماعي بدل أن يسمع عنهما فقط. وكانت هناك مؤسسات فهمت هذه الفكرة. أذكر هنا مؤسسة جمال الدين الأفغاني ومديرها آنذاك الأستاذ عبد اللطيف بلقاص. كانت المؤسسة محط رغبة لدى الكثيرين، ليس فقط لكفاءة أطرها، وإنما لحيويتها وانفتاحها على الأنشطة. كان تلاميذها حاضرِين في المسابقات والمناسبات، لأنهم كانوا يجدون من يؤهلهم لذلك. وأنا شخصيا اشتغلت مع تلاميذ هذه المؤسسة، وشاركنا في مسابقات المسرح وغيرها من مجالات الإبداع، ونلنا معهم جوائز. وكانت التجربة تؤكد أن الطفل حين تمنحه فرصة، يستطيع أن يفاجئك بما يملك من قدرات. وكانت هناك نماذج أخرى، مثل مؤسسة الخنساء، ومؤسسة الشريف الإدريسي، حيث وجدنا أطرًا ومديرين لديهم رغبة حقيقية في العمل والحركة. لكن التجربة نفسها علمتنا شيئا مؤلما. أحيانا تحصل على ترخيص من المديرية، وتدخل المؤسسة بشكل قانوني ورسمي، فيجد المدير نفسه ملزما بفتح الباب أمامك. يفتح الباب، لكنك تشعر من طريقة الاستقبال أنك غير مرغوب فيك، وكأنك جئت فقط لأن هناك ترخيصا. تنظم نشاطك، وتنتهي، وتغادر. ومع تكرار التجربة يبدأ السؤال المؤلم: واش أنا اللي غلط؟ واش اللي كنحاول ندير ما عندوش قيمة؟ وهنا لا يتعلق الأمر بنشاط لم ينجح، وإنما بشيء أكبر: حين يشعر الإنسان المتطوع بأنه غير مرغوب فيه، يبدأ الحماس في الانطفاء، ويصبح الانسحاب أسهل من الاستمرار. ولذلك، حين أتذكر بعض المؤسسات التي كانت بالأمس حية بالحركة والإبداع، ثم تغيرت بعد رحيل بعض الوجوه التي كانت وراء تلك الدينامية، أتساءل: هل المؤسسة قادرة على الاحتفاظ بروحها، أم أن روحها ترتبط دائما بالشخص الذي يديرها؟ هذه هي النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها. فالمدير لا ينبغي أن يكون فقط من يسهر على التدبير الإداري واحترام التوقيت، بل من يفهم أن أمامه أطفالا سيصبحون شبابا، وأن ما يكتسبونه داخل المؤسسة لا يقتصر على الدروس. ولهذا نحتاج إلى تكوين للمديرين يجعلهم يرون في المجال الثقافي والفني والجمعوي امتدادا للعمل التربوي، مع احترام القوانين والاختصاصات طبعا. ليس المطلوب فتح المؤسسة أمام كل من هب ودب، وإنما فتحها أمام المبادرات الجادة التي يمكن أن تضيف للطفل شيئا. وأقول هذا اليوم ربما لأن هناك مسؤولا جديدا لم يعش تلك المرحلة، وقد لا يعرف أن بعض التجارب كانت موجودة وأنها توقفت، وأن بعض الفاعلين كانوا يحملون أفكارا كثيرة ثم غادروا بعدما لم يجدوا الأرضية. أنا لا أكتب لألوم أحدا. أكتب لأنني أتحسر على زمن كنا نعتقد فيه أننا نستطيع أن نفعل أكثر. وربما ما زال بالإمكان استدراك الكثير. فالطفل الذي نراه اليوم في القسم، هو شاب الغد. وإذا أردناه غدا مسؤولا، مبدعا، محبا لوطنه وقادرا على المشاركة، فعلينا أن نعطيه اليوم فرصة ليتعلم ذلك بالفعل. المدرسة لا تحتاج فقط إلى أبواب تفتح وتغلق في موعدها؛ تحتاج إلى أبواب تفتح أمام الإنسان، أمام المبادرة، وأمام الطفل الذي يستحق أن نؤمن بقدرته.