بين “المربي من عند ربي” والمسؤولية الضائعة… أين يبدأ التقصير وأين ينتهي القدر؟

ادارة النشرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
بين “المربي من عند ربي” والمسؤولية الضائعة… أين يبدأ التقصير وأين ينتهي القدر؟
إدريس طيطي – مجرد رأي –
كما سبق أن أشرت في مقالي السابق، أواصل قراءة بعض الظواهر الاجتماعية التي أصبحت تتكرر بشكل مقلق داخل مجتمعنا، خصوصا كلما تعلق الأمر بجرائم صادمة أو بسلوكات منحرفة تهز الرأي العام. فالمشهد يكاد يتكرر بالحرف نفسه… جانح يروع المواطنين، أو شاب ينخرط في التخريب والعنف، أو مجرم يسقط في قبضة العدالة بعد أفعال خطيرة، ثم فجأة تخرج الأم، وأحيانا الأب، أمام الكاميرات باحثين عن أي مبرر، وكأن غريزة الأبوة والأمومة تحاول إنقاذ ما تبقى من صورة الابن مهما كان حجم الفعل المرتكب.
مؤخرا تابعنا جميعا ذلك الجانح الذي ظهر في الشارع وهو يعتدي بشكل هستيري على المارة، يحمل سيفا ويهاجم كل من يعترض طريقه، بل وصل به الأمر إلى الاعتداء على عناصر الأمن أثناء تدخلهم لتوقيفه. مشهد خطير عاش فيه المواطنون حالة خوف حقيقية، واضطرت عناصر الأمن إلى مجهودات كبيرة وتدخل دقيق وصعب من أجل السيطرة عليه وحماية الناس من تهوره. لكن بعد كل ذلك، خرجت والدته تتحدث للإعلام، تتحجج بأن ابنها “لم يكن في وعيه”، وأنه “يعاني من اضطرابات”، وتحاول أن تجد له تفسيرا يخفف من وقع ما شاهده الناس بأعينهم.
والمشهد نفسه رأيناه أيضا خلال بعض الأحداث التي رافقت تحركات ما يسمى بـ“جيل زد”، حين تحولت بعض التجمعات إلى أعمال تخريب واعتداءات وحرق لممتلكات الغير والفوضى في الشوارع. ورغم الصور الصادمة التي وثقت التكسير والترويع والاعتداءات، خرجت بعض الأمهات أمام الكاميرات يتحججن لأبنائهن، وكأن ما وقع مجرد اندفاع عابر أو سوء فهم.
وهنا يجب أن نتوقف قليلا… ليس لإدانة تلك الأم أو ذاك الأب، لأن غريزة الأبوة والأمومة أقوى من أن تحاكم بسهولة، بل لنطرح سؤالا أعمق: هل يكفي أن نقول “المربي من عند ربي” حتى نتجرد من مسؤولياتنا؟ وهل عبارة “اللي دارها الله هي اللي كاينة” تعني أن الإنسان لا دور له في التربية والتوجيه والمتابعة؟
الحقيقة أن بعض الأمثال الشعبية، رغم أنها تقال بحسن نية، قد تتحول مع الوقت إلى وسيلة للهروب من المسؤولية. فعندما نقول “المربي من عند ربي”، وكأننا نقول إن الإنسان لا علاقة له بما وصل إليه أبناؤه، وكأن الله سبحانه وتعالى هو من اختار لهم طريق الانحراف، وحاشاه سبحانه من ذلك. فالله عدل مطلق، لا يظلم أحدا، ولا يمنح الإنسان أبناء منحرفين ثم يطالبه ألا يسأل أو يتدخل.
الله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان العقل، ومنحه مساحة للتربية والتوجيه والمصاحبة والتقويم. أعطاه القدرة على المتابعة، على النصح، على القرب من أبنائه، على مراقبة سلوكهم، على معرفة من يرافقون، وأين يذهبون، وكيف يفكرون. أما أن نترك الغرس دون سقي، ونهمله سنوات، ثم ننتظر ثمرا صالحا، فذلك وهم كبير.
نحن لا نقول إن كل أسرة خرج منها منحرف هي أسرة فاشلة، أبدا. فهناك عائلات محترمة، معروفة بالأخلاق والتربية، ورغم ذلك خرج من بين أفرادها من سلك طريق المخدرات أو السجون أو العنف. وهذا واقع لا يمكن إنكاره. لكن الفرق أن تلك الأسر غالبا ما تكون قد استنفدت جهدها؛ تعبت، راقبت، نصحت، أنفقت، صاحبت أبناءها، ثم وقع ما وقع خارج قدرتها. هنا فقط يأتي الدعاء، ويأتي التوكل الحقيقي على الله.
أما أن نغيب تماما عن حياة الأبناء، ونتركهم للشارع والهاتف ورفاق السوء، ثم حين تقع الكارثة نقول “هذا قدر الله”، فذلك ليس إيمانا بالقدر، بل تهرب من المسؤولية.
حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خير خلق الله، لم تفتح له أبواب النصر دون تعب أو معاناة. أوذي، واتهم، وطرد، وضرب بالحجارة في الطائف حتى سال دمه الشريف. ماتت خديجة رضي الله عنها، ومات عمه أبو طالب، واشتدت عليه قريش، ومع ذلك لم يتوقف عن السعي والدعوة والصبر والعمل. كان يبذل المجهود الفكري والجسدي والنفسي كاملا، ثم يأتي بعد ذلك نصر الله.
فلو كان كل شيء يتم بلا أسباب، لما احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل تلك التضحيات. لكن حكمة الله اقتضت أن يعمل الإنسان أولا، وأن يبذل جهده، ثم يأتي التوفيق الإلهي.
لهذا، حين نرى بعض الأمهات يخرجن بعد جرائم خطيرة ليتحججن لأبنائهن، علينا أن نفهم ألمهن وغريزتهن، لكن في الوقت نفسه يجب أن نفهم أن التربية مسؤولية، والمتابعة مسؤولية، والحضور في حياة الأبناء مسؤولية. فليس كل شيء يرمى على القدر، وليس كل انحراف يختصر في جملة “المربي من عند ربي”.
نعم… المربي من عند ربي، لكن الله لم يأمرنا أن نترك أبناءنا دون توجيه، ولم يطلب منا أن نغيب عنهم ثم ننتظر معجزة. الله سبحانه وتعالى يبارك في السعي، وفي التعب، وفي التربية، وفي الخوف على الأبناء، ثم إذا خرج الأمر عن قدرة الإنسان، كان الله معه، يسانده ويجبر كسره.
أما أن نترك كل شيء ثم نختبئ خلف القدر، فذلك ظلم لأنفسنا قبل أن يكون ظلما لمعنى الإيمان الحقيقي..
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة