ادريس طيطي / القنيطرة
أجد نفسي دائمًا أمام مشاهد مؤلمة، تدفعني تلقائيًا إلى تحميل بعض الأسر كامل المسؤولية، ثم أتراجع وأقول: حتى الدولة لها نصيب في هذا الواقع، عبر مؤسساتها ومسؤوليها الغائبين عن دورهم الحقيقي. مشاهد يومية متكررة: بعض الأطفال، فور خروجهم من المدرسة، لا يتوجهون إلى بيوتهم، بل يتيهون بين الأزقة، أو يتنقلون بشكل خطير من حافلة إلى أخرى، متشبثين بأبوابها، معرضين أنفسهم للموت أو الإصابة. فأين الأسر؟ أين الأب؟ أين الأم؟

وتزداد الصورة قتامة حين نرى بعض القاصرين والقاصرات في وضعيات مخلة قرب الجرادي المحاذية للإعداديات والثانويات، كأننا أمام انفلات قيمي خطير يهدد أبناءنا في صمت. أحيانًا أتنفس قليلًا من الطمأنينة حين أرى سيارة الأمن مرابطة أمام بعض المؤسسات، تردع بعض السلوكيات المنحرفة، وهذا جميل، لكنه يظل استثناءً وليس قاعدة. يجب تعميم مثل هذه الإجراءات الوقائية، لكن قبل ذلك، لا بد أن نعيد طرح السؤال الجوهري: أين هي الأسرة؟ وأين هي الدولة من تأطير هذا الجيل؟

في هذا الفراغ، يبرز دور الجمعيات التربوية، التي رغم محدودية إمكانياتها، تحاول أن تملأ شيئًا من هذا الخلل. لكن المؤلم هو أن بعض الأسر لا تؤمن بهذا الدور، بل تشكك فيه. من تجربتي الشخصية بحي البوشتيين، حاولت رفقة ثلة من الغيورين أن نخلق فضاءً تربويًا بسيطًا، من خلال كراء مقر صغير نستقبل فيه أطفال الحي كل سبت وأحد، وننظم أنشطة تربوية وترفيهية، تروم بناء شخصياتهم، وغرس روح الوطنية والانضباط فيهم.
طلبنا مساهمة رمزية لا تتجاوز 30 درهمًا في الشهر لتغطية مصاريف الكراء واللوازم، ومع ذلك وُوجهنا باتهامات من بعض الأسر التي اعتقدت أننا نشتغل تحت غطاء التمويل أو الربح. ورغم كل هذا، واصلنا المسير، مؤمنين أن التربية ليست تجارة، بل رسالة ومسؤولية.
وقد لمسنا بعض الثمار: أطفال تغير سلوكهم، واكتشفوا ذواتهم، وشقوا طريقهم بوعي أكبر. والبعض الآخر ضلّ الطريق، ليس لأن الجمعيات فشلت، بل لأن أسرهم تخلت، أو لأنها لم تؤمن أن العمل الجمعوي قد يكون طوق نجاة.
لذلك، نعيد التأكيد: الدولة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإعادة النظر في علاقتها بالجمعيات التربوية، عبر خلق إطار قانوني وأكاديمي لدعمها وتأهيلها وتمكينها من أداء دورها التربوي. كما أن دور الشباب ينبغي أن تُفتح على الجمعيات، لا أن تبقى مغلقة أو مُستغلة بشكل موسمي أو سياسي.
أما الأسر، فعليها أن تدرك أن التربية ليست مسؤولية المدرسة وحدها، ولا الأمن، ولا الجمعيات. إنها تبدأ من البيت، من السؤال، من الحوار، من الاحتضان. فالأطفال لا يحتاجون فقط إلى طعام ولباس، بل إلى من يُصغي إليهم، يُوجههم، ويأخذ بأيديهم نحو الطريق السليم.
العمل الجمعوي التربوي لم يكن يومًا ترفًا، بل هو رهان أساسي لتربية جيل مسؤول، يؤمن بقيم المواطنة، ويعي معنى الوطن. وإن لم تتكامل أدوار الدولة، والمجتمع، والأسرة، فسنظل نعيد نفس السؤال: من المسؤول؟ والجواب سيكون دائمًا: الكل مسؤول.










