بقلم المستشار الدكتور/ حسن بن ثابت
قد لا نسمع دوي انفجار، ولا نشاهد دخانا يتصاعد، لكننا نشهد تشققات خطيرة في جدار الوطن حين تتسلل الطائفية، وتتضخم الحركية، ويعلو صوت الانقسام على صوت الوحدة.
في السنوات الأخيرة، لم تعد التهديدات الأمنية محصورة في الحدود أو الخارج، بل باتت تنبع من الداخل، من أفكار وتيارات لا تعترف بمفهوم الوطن الجامع، بل تراه مجرد ساحة صراع لمصالح ضيقة، طائفية أو حزبية أو أيديولوجية.
الطائفية مثلا، حين تغذى بخطاب الكراهية والتمييز، لا تعود مجرد رأي ديني أو اختلاف مذهبي، بل تتحول إلى مشروع تفتيت، يزرع الشك، ويشوه الانتماء، ويهيئ النفوس للصدام أكثر مما يهيئها للتعايش.
أما الحركات التنظيمية المغلقة، حين ترتبط بأجندات خارجية أو تعمل بمعزل عن الدولة، فإنها تخلق ولاءات موازية تهدد الاستقرار، حتى لو لبست ثوب الدعوة أو التغيير. الدولة لا يمكن أن تتقاسم سلطتها ولا قرارها، ومن يرفع راية فوق راية الوطن يزرع الفوضى وإن ادعى الإصلاح.
الانقسامات الأيديولوجية أيضا، حين تتحول إلى خصومات صفرية، تفقدنا القدرة على الحوار، وتشل عجلة التنمية، وتغرق المجتمع في استقطاب لا منتصر فيه. فما نحتاجه اليوم ليس توحيد الرأي، بل توحيد الهدف، وإعادة الاعتبار لفكرة الوطن الذي يتسع للجميع، لكنه لا يقبل أن يمزق من الداخل.
لهذا، فإن المسؤولية مشتركة: الدولة مطالبة بالعدل والصرامة، والمجتمع مطالب بالوعي واليقظة، والنخب الفكرية والسياسية مطالبة بأن تضع الوطن قبل الطائفة، والعقل قبل العاطفة، والاستقرار قبل المكاسب الضيقة.
الأمن القومي لا يحمى بالسلاح فقط، بل بالوعي والانتماء، وبالحفاظ على النسيج الوطني من التمزق ..أما إذا تركت الطائفية والحركية تعبث بهدوء، فسنستيقظ يوما على وطن لم يعد كما كان.











