الركود الثقافي بالقنيطرة: بين الغياب والتواطؤ… من يعيد للفن نبضه

ادارة النشر29 أكتوبر 2025آخر تحديث :
الركود الثقافي بالقنيطرة: بين الغياب والتواطؤ… من يعيد للفن نبضه

بقلم: محمد زيات

تشهد مدينة القنيطرة منذ سنوات حالة من الركود الفني والثقافي تكاد تكون خانقة، وكأنها مدينة نُزعت منها الروح الإبداعية التي كانت تسكن مسارحها وقاعاتها ومقاهيها الثقافية في فترات مضت. فلا حركة مسرحية تُذكر، ولا تظاهرات فنية تُحدث الأثر، ولا حوار ثقافي يعيد ترتيب البيت الداخلي للمبدعين.
باستثناء بعض المبادرات الفردية المتفرقة، التي تقودها أسماء محسوبة على رؤوس الأصابع، يعيش المشهد الثقافي حالة من التيه والغياب، وكأن المدينة تخلّت عن دورها كمجال منتج للثقافة والفكر والفن.

غياب الرؤية… وغياب الإرادة

يعود هذا الركود في جزء كبير منه إلى غياب الرؤية الثقافية لدى المؤسسات المنتخبة التي لا تعتبر الثقافة استثمارًا في الإنسان، بل عبئًا أو ترفًا يمكن الاستغناء عنه.
فالجماعة الحضرية، ومعها المصالح الثقافية الإقليمية، لم تضع إلى اليوم أي مخطط ثقافي واضح المعالم، يربط بين الفعل الفني والتنمية المجتمعية.
وهكذا ظل الفعل الثقافي مرتهنًا بالمناسبات والاحتفالات الموسمية، بعيدًا عن أي رؤية استراتيجية أو ديمومة في العمل.

التهميش والإقصاء

يُضاف إلى ذلك تهميش الفنانين الحقيقيين الذين يشتغلون في صمت وجدية. كثير منهم وجد نفسه خارج الحسابات، لأن معيار الحضور أصبح هو الولاء والترضية، لا الكفاءة أو الإبداع.
هذا الوضع أنتج مناخًا مشوبًا بالإحباط واللامبالاة، حيث يشعر المبدع أنه غير مرغوب فيه إلا حين تحتاجه الإدارة لتلميع صورة حدث أو مهرجان.

قاعات مغلقة وجمعيات منهكة

أما البنية التحتية الثقافية فهي في وضع لا يُحسد عليه.
قاعات العروض إما مغلقة أو غير مجهزة، والمراكز الثقافية تحولت إلى بنايات صامتة بلا برنامج، في حين تكتفي الجمعيات بتدبير اليومي والبحث عن الدعم دون مشاريع فنية حقيقية.
لقد فقدت المدينة فضاءاتها الحية التي كانت تحتضن النقاش والعروض والتجارب المسرحية والموسيقية.

كيف نكسر دائرة الركود؟

إن الطريق إلى الخروج من هذا الوضع يمر أولًا عبر بناء وعي جماعي لدى الفاعلين الثقافيين أنفسهم، من خلال خلق فضاء للحوار والتنسيق والتفكير المشترك.
نحتاج اليوم إلى ميثاق ثقافي قنيطري يُؤطر العمل الثقافي ويمثل أرضية للترافع أمام المؤسسات.
كما يجب المطالبة بوضع سياسة ثقافية محلية تضمن برمجة سنوية منتظمة للفنون، وتربط الدعم بالمشاريع الحقيقية لا بالعلاقات.

ولا يمكن إغفال أهمية تكوين الشباب عبر الورشات المسرحية والتداريب الصوتية والإلقائية والإخراجية، لأنهم النواة التي يمكن أن تبعث الحياة من جديد في الجسد الثقافي للقنيطرة.

نحو ثقافة تستعيد كرامتها

إن ما تحتاجه القنيطرة ليس مهرجانات ولا صورًا تذكارية، بل رؤية تُعيد للثقافة كرامتها، وتجعل من الفن وسيلة للوعي والبناء.
المدينة التي أنجبت أسماء مسرحية وفكرية كبيرة قادرة على النهوض مجددًا، شرط أن تتوفر الإرادة والصدق والرغبة في التغيير.

فالركود ليس قدرًا، بل نتيجة خيارات فاشلة.
وحين يستعيد المبدع صوته، وتستعيد المدينة عشقها للفن، سيعود النبض إلى القنيطرة، كما كانت… مدينة للحلم والإبداع والضوء.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة