ادريس طيطي- مجرد رأي تبدو الحرب التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران أقرب إلى انتحار سياسي منه إلى استراتيجية دولية محسوبة. فالرجل الذي اعتاد على اتخاذ قرارات صادمة في السياسة الخارجية اختار هذه المرة أن يذهب إلى مواجهة عسكرية واسعة دون أن يكلف نفسه جهدا حقيقيا لبناء تحالف دولي واسع كما فعلت الإدارات الأمريكية السابقة في حروب كبرى. وبدلا من حشد دعم حلفائه التقليديين، وجد نفسه في مواجهة تحفظات وانتقادات حتى من أقرب الشركاء، وفي مقدمتهم بريطانيا. فقد أظهر سلوك ترامب تجاه حلفائه قدرا غير مسبوق من التوتر. إذ لم يتردد في توجيه انتقادات حادة للحكومة البريطانية واتهامها بعدم التعاون، كما هدد إسبانيا بقطع العلاقات التجارية عندما رفضت السماح باستخدام قواعدها العسكرية. هذه المواقف تعكس أسلوبا قائما على الضغط والابتزاز أكثر من كونه عملا دبلوماسيا منظما، وتكشف أيضا حجم الانتقادات التي قد تواجهها واشنطن إذا طال أمد الحرب أو تعقدت نتائجها. في المقابل، يبدو أن الحليف الوحيد الذي ينسق معه ترامب بشكل واضح هو إسرائيل. فمنذ سنوات تضغط تل أبيب على واشنطن لتوجيه ضربة حاسمة للنظام الإيراني، وقد وجدت في إدارة ترامب فرصة لتحقيق ذلك. غير أن هذا التقارب الشديد بين الطرفين يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الحرب تعكس بالفعل مصالح استراتيجية أمريكية واسعة، أم أنها استجابة مباشرة لأجندة إسرائيلية في المنطقة. لكن الرهان الحقيقي لترامب لا يكمن فقط في ساحة المعركة، بل في النتائج السياسية التي قد تترتب عليها. فإذا تمكن من إخضاع إيران وإجبارها على اتفاق جديد وفق الشروط الأمريكية، أو حتى دفعها نحو تغيير النظام بالطريقة التي يريدها، فقد ينجو من موجة الانتقادات الدولية والداخلية. بل إن نجاحاً من هذا النوع قد يسمح له بإعادة ترميم بعض التحالفات التي تضررت، وربما إقناع جزء من الداخل الأمريكي المنقسم بأن هذه الحرب كانت ضرورية ومبررة. أما إذا فشل في تحقيق أهداف واضحة، فإن هذه الحرب قد تتحول إلى عبء سياسي ثقيل عليه وعلى الولايات المتحدة معا. فالعالم يتابع بقلق تصاعد العمليات العسكرية دون غطاء دولي أو شرعية أممية، وهو ما يعزز الانطباع بأن واشنطن في عهد ترامب تتصرف خارج قواعد النظام الدولي. وفي حال استمرت هذه الصورة، فإنها قد تؤدي إلى تآكل القوة الناعمة الأمريكية وتعميق الفجوة بينها وبين حلفائها التقليديين. ولا يقتصر الضغط على الساحة الدولية فقط، بل يمتد أيضا إلى الداخل الأمريكي. فقد عادت الاحتجاجات المناهضة للحرب إلى الشوارع، حيث خرج مئات المتظاهرين في مدن عدة مطالبين بوقف الحرب. هذا الانقسام الداخلي يعكس حالة الشك المتزايدة لدى شريحة من الأمريكيين الذين يخشون تكرار تجارب عسكرية سابقة كلفت البلاد سنوات طويلة من الصراعات والخسائر. إلى جانب ذلك، يلاحظ كثير من المراقبين أن أسلوب ترامب الشخصي في إدارة الملفات الدولية يزيد من حالة الغموض وعدم الاستقرار. فهو رئيس معروف بتقلب مواقفه وسرعة انتقاله من موقف إلى آخر، وغالبا ما يعلن أهدافا كبيرة قبل أن ينتقل إلى أهداف جديدة دون أن يوضح بدقة المسار الذي يريد الوصول إليه. هذه النزعة الاندفاعية قد تجعل الحرب تبدو أحيانا وكأنها جزء من سلسلة قرارات متسارعة أكثر منها خطة استراتيجية متماسكة. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحرب على إيران لحظة مفصلية في مسار ترامب السياسي. فهي قد تتحول إلى إنجاز كبير يعزز موقعه إذا حقق ما يريده بسرعة وحسم، لكنها قد تصبح في المقابل مغامرة خطيرة تدفع الولايات المتحدة إلى مزيد من العزلة وتضعف تحالفاتها التقليدية. بل إن الفشل فيها قد لا يقتصر أثره على واشنطن وحدها، بل قد ينعكس أيضاً على إسرائيل التي قد تجد نفسها بدورها في مواجهة عزلة متزايدة إذا تحولت الحرب إلى صراع طويل ومكلف. هكذا يقف ترامب أمام معادلة صعبة: إما نصر سريع يمنحه مخرجا سياسيا ويعيد رسم موازين القوة لصالحه، أو حرب مفتوحة قد تتحول إلى المسمار الأخير في مشروعه السياسي. وبين هذين الاحتمالين، يبقى العالم يراقب مقامرة جديدة من مقامرات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط