إدريس طيطي
ما الذي يدفع نظاما كاملا لأن يرهق نفسه في مطاردة سراب؟ سؤال يطرح نفسه كلما تابعنا الحمى الدبلوماسية التي أصابت الجزائر في الأسابيع الأخيرة، ووزير خارجيتها أحمد عطاف يطير من عاصمة إلى أخرى، ويتصل بهذه وتلك، في محاولة يائسة لإقناع الدول العظمى بالتراجع عن دعم مغربية الصحراء. آخر هذه المحاولات كانت باتصال مع نظيره البريطاني، لعلّ الفيتو البريطاني يصنع معجزة تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. لكن الرد كان صادما: القرار نهائي، الصحراء مغربية، ولا مجال للمساومة.
يا ليت هذا الجهد كان من أجل الشعب الجزائري، من أجل الخبز والحليب والطاقة، من أجل الكرامة التي صارت مشوهة في وطن غارق في الغضب والصمت. لكن النظام هناك اختار أن يجعل من “الصحراء المغربية” معركة وجود، يهرب بها من مواجهة الحقيقة، ويغطي بها على عجزه الداخلي. بدل أن يفتح أبواب الأمل لأبنائه، يفتح جبهات العداء مع الجيران، يزرع الفتنة، ويدعم الانفصال، ويتنفس أزمات الآخرين ليخفي أزماته.
لقد بات العالم كله يعرف الجزائر بهذا السلوك: دولة تبحث عن دور لا تملكه، وتفرض نفسها في ملفات لا تخصها. دولة تساند كل من يخلق القلاقل، تدعم الميليشيات وتغذي الانقسامات، وتقدّم نفسها على أنها صوت الشعوب، بينما تخنق أنفاس شعبها كل يوم. إنها مفارقة مؤلمة حين ترى بلدا بحجم الجزائر، بثرواته وطاقاته، يتحول إلى أداة لإزعاج الاستقرار بدل المساهمة فيه.
الواقع أن الجزائر اليوم تعيش عزلة سياسية غير مسبوقة. أصدقاؤها بالأمس يتراجعون واحدا تلو الآخر. الدول العظمى أعلنت مواقفها بوضوح، والمجتمع الدولي يتجه نحو حلّ يحفظ السيادة المغربية ويضمن الأمن الإقليمي. لم يعد هناك من يصغي إلى صوتها سوى كيانات هشة تبحث عن دعم مقابل صمت، أو أنظمة ضعيفة تفتقر إلى القرار السيادي. أما الكبار، فقد قالوا كلمتهم.
والبوليساريو؟ مجرد ظل باهت لعصابة فقدت وزنها. انتهى زمنها ولم تعد تجد حتى الحجة لتبرير وجودها. في النهاية، لا يمكن لمشروع ولد على أساس الانفصال أن يعيش في زمن تتجه فيه الأمم نحو الوحدة والاستقرار.
إن ما يجري اليوم يكشف للعالم الوجه الحقيقي للنظام الجزائري: نظام مهووس بإضعاف المغرب أكثر مما هو مشغول ببناء الجزائر. نظام يعيش على افتعال الأزمات وتوريث الكراهية، ويظن أن التحريض ضد المغرب سيمنحه شرعية ضائعة. لكنه يجهل أن الشعوب لا تخدع إلى الأبد، وأن التاريخ لا يرحم من يبدد طاقات وطنه في معارك عبثية.
العالم يسير إلى الأمام، والجزائر ما زالت تراوح مكانها بين بيانات التنديد وخطب العداء. أما المغرب فقد تجاوز مرحلة الدفاع، وأصبح في موقع الفعل والثقة، يراكم الاعترافات، ويصنع شراكاته، ويفرض احترامه على الجميع.
لقد آن للجزائر أن تستيقظ من وهمها، وأن تدرك أن زمن الكذب انتهى. فالتاريخ لا يكتب بالشعارات، بل بالحقائق، والحقائق كلها اليوم تقول إن الصحراء مغربية… وإن من يقاوم هذه الحقيقة إنما يقاوم نفسه











