ادريس طيطي- مجرد رأي في زمن الصورة، لم تعد الجماهير مجرد عنصر مكمل للفرجة الرياضية، بل تحولت إلى واجهة تعكس وعي الشعوب وثقافتها، بل وحتى صورة الأوطان في عيون العالم. ومن هنا، يصبح من المشروع أن نقف عند المقارنة بين سلوك جمهور المنتخب المغربي ونظيره الجزائري، ليس من باب المفاضلة المجردة، بل من زاوية قراءة الدور الحقيقي للإعلام في التوجيه والتقويم. لقد أبان الجمهور المغربي، في أكثر من محطة دولية، عن نموذج حضاري راقٍ، جعل منه سفيرا غير رسمي لبلاده. من مدرجات كأس العالم 2022 في قطر، إلى أجواء كأس أمم إفريقيا 2023 في كوت ديفوار، ظهر المشجع المغربي بصورة لافتة: ألوان حمراء تزين الشوارع، أهازيج جماعية تبعث على الفخر، وسلوك حضاري يعكس عمق الثقافة المغربية. لم يكن التشجيع مجرد هتاف، بل كان تعبيرا عن هوية، عن تاريخ، وعن انتماء راقٍ. وحتى في لحظات الخسارة، ظل هذا الجمهور وفيًا لقيم الروح الرياضية، يغادر المدرجات بهدوء، دون فوضى أو شغب. في المقابل، تطرح بعض السلوكيات الصادرة عن فئات من الجمهور الجزائري أكثر من علامة استفهام، خصوصا حين تتحول الملاعب إلى فضاءات للفوضى بدل أن تكون منصات للتشجيع. لكن الأخطر ليس فقط في هذه السلوكيات، بل في كيفية تعاطي جزء من الإعلام معها. كان من المفترض أن يقف الإعلام موقفا واضحا من ممارسات غير مقبولة: كحوادث مخلة داخل المدرجات، أو التلويح بالأموال بما يوحي بفساد تحكيمي، أو الاحتكاك برجال الأمن. بل إن بعض هذه التصرفات كان يستوجب إدانة صريحة حتى لا تتكرر، لا أن تمرر أو تبرر تحت غطاء “الدفاع عن المنتخب”. وحين يتم تصوير سلوك مرفوض على أنه بطولة، أو يقدم صاحبه في صورة “ضحية” أو “رمز”، فإننا لا نصحح الخطأ بل نمنحه شرعية للاستمرار. التلويح بالأموال في المدرجات، على سبيل المثال، لا يمكن قراءته إلا كإشارة سلبية تمس صورة المنافسة ونزاهتها، وكان من الأجدر تفكيك هذه الرسائل بدل تبريرها. كما أن تحويل سلوكيات فردية غير أخلاقية إلى قضايا بطولية يبعث برسائل خاطئة للجمهور، مفادها أن الانفلات يمكن أن يُكافأ بدل أن يُدان. والأدهى من ذلك، أن هذا الانشغال بتبرير السلوك الداخلي يقابله في أحيان كثيرة تركيز مفرط على قضايا المغرب وشؤونه الداخلية، في مشهد إعلامي يبدو وكأنه يوجه عدسته إلى الخارج أكثر مما ينظر إلى الداخل. وهذا الاختلال في ترتيب الأولويات يضعف مصداقية الخطاب الإعلامي، لأن الإعلام الحقيقي يبدأ من نقد الذات قبل تتبع الآخرين. الإعلام، في جوهره، ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو سلطة معنوية قادرة على تصحيح الاختلالات وتوجيه الرأي العام. حين يختار تسليط الضوء على اختلالات الآخرين ويتجاهل بيته الداخلي، فإنه يفقد جزءا كبيرا من مصداقيته. فالأولى أن يكون مرآة صادقة لمجتمعه، لا عدسة موجهة نحو الخارج فقط. إن الشغب، أينما كان، يسيء للرياضة قبل أن يسيء للأوطان. وتبريره أخطر من ممارسته، لأنه يمنح غطاء لاستمراره. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إعلام مسؤول، يعترف بالخلل ويعمل على معالجته، ويبعث برسائل واضحة ترفض هذه السلوكيات وتؤكد أن الجماهير مطالبة بأن تكون سفيرا إيجابيا لبلادها، لا مصدرا للإساءة إليها. المقارنة هنا لا تهدف إلى التنقيص من أحد، بل إلى إبراز نموذج إيجابي يمكن البناء عليه، والتنبيه إلى اختلالات تستدعي التصحيح. فالجماهير، في النهاية، هي مرآة أوطانها، والإعلام هو من يلمع هذه المرآة… أو يتركها مغطاة بالغبار.