الحصاد24/الرباط أثارت تصريحات الفنان رشيد الوالي، التي دعا فيها المغاربة إلى عدم تعليق فشلهم على الحكومة والدولة والظروف، ردود فعل غاضبة، بعدما رأى فيها كثيرون اختزالا لمعاناة اجتماعية واقتصادية معقدة في مسألة الاجتهاد والمبادرة الفردية. لكن الرد الأقوى جاء من واقع فئات اشتغلت داخل الدولة نفسها، ولم تكن يوما نائمة أو تنتظر أن يتحقق حلمها دون عمل. ومن أبرز النماذج الأعوان المؤقتون التابعون لوزارة التجهيز والماء، الذين تقول الجمعية الوطنية للأعوان المؤقتين إنهم ظلوا لسنوات يؤدون مهامهم في ظروف صعبة، ويظهرون في الصفوف الأولى كلما حلت الكوارث الطبيعية. ففي زلزال الحوز، والفيضانات، ومختلف الظروف الاستثنائية والكوارث الطبيعية، كان هؤلاء الأعوان، بحسب الجمعية، ضمن الذين يواصلون العمل والمواجهة في الميدان، كما أن منهم من ظل مرابطا داخل الإدارات والمرافق التابعة للدولة، يؤدون مهامهم دون أن تتغير وضعيتهم الإدارية والاجتماعية. وهنا يطرح السؤال نفسه على رشيد الوالي: هل هؤلاء أيضا فاشلون؟ هل العامل الذي يواجه الثلوج والفيضانات والكوارث، ويظل في موقع عمله لخدمة المواطنين، كان نائما ويحلم فقط؟ وهل الموظف أو العون الذي أفنى سنوات من عمره داخل الإدارة ولم يحصل على أبسط حقوقه، يمكن اختزال معاناته في عبارة “لماذا لا تجتهد؟” الجمعية تقول إن هذه الفئة محرومة من حقوق أساسية، من بينها الرخص والعطل، والرخص الطبية، والتغطية الصحية، والتعويضات العائلية، وغيرها من الحقوق الاجتماعية والمهنية. والأكثر دلالة أن الجمعية لم تكتف بالاحتجاج، بل طرقت أبواب المؤسسات. راسلت وزارة التجهيز والماء باعتبارها القطاع المعني مباشرة بهذا الملف، كما راسلت وزارة المالية، ووزارة الوظيفة العمومية، ووزارة الصحة، خصوصا في ما يتعلق بالحماية الاجتماعية، وهو ورش ملكي كبير أكد عليه الملك محمد السادس. لكن، بحسب الجمعية، ظل الملف عالقا، رغم تعدد المراسلات والحوارات والمطالب. فهل يمكن بعد كل هذا أن نقول إن هؤلاء الأعوان لم يفعلوا شيئا من أجل تغيير وضعهم؟ لقد فعلوا ما يستطيعون: اشتغلوا، وصبروا، وراسلوا، واحتجوا، وطرقوا أبواب الوزارات، وانتظروا الحل. بل إن الزمن نفسه لم ينتظرهم؛ فمنهم من بلغ سن التقاعد، ومنهم من غادر الحياة قبل أن يرى تسوية لوضعيته، ومنهم من لا يزال ينتظر، بينما تقترب سنوات العمل من نهايتها. وهنا يأتي رد الجمعية الوطنية للأعوان المؤقتين واضحا في جوهره على تصريحات رشيد الوالي: هؤلاء ليسوا فاشلين، ولم يكونوا نائمين. هؤلاء نموذج حي لأشخاص عملوا داخل الدولة، وخدموا الدولة، وانتظروا من الدولة أن تنصفهم. وإذا كان رشيد الوالي يقول إن الإنسان عليه أن يسأل نفسه: “ماذا فعلت من أجل تحقيق حلمك؟”، فإن الأعوان المؤقتين يستطيعون أن يجيبوا: لقد فعلنا ما علينا… فماذا فعلت الحكومة من أجلنا؟ لقد ظل هؤلاء في الصفوف الأولى أثناء الزلزال والفيضانات والكوارث، ومرابطين في الإدارات والمرافق، ومع ذلك لم يحصلوا، وفق ما تؤكده جمعيتهم، على حقوقهم الأساسية. لذلك، فإن النقاش الحقيقي ليس حول من يحلم ومن يعمل فقط، بل حول تكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومسؤولية الدولة تجاه من يشتغلون داخل مؤسساتها. وإذا كان المواطن مطالبا بتحمل مسؤوليته، فإن الحكومة مطالبة أيضا بتحمل مسؤوليتها. وربما هنا يصبح من حق الأعوان المؤقتين أن يوجهوا سؤالا معاكسا: إذا كان من لم تتحقق مطالبه رغم سنوات العمل والمراسلات والاحتجاجات فاشلا، فمن يكون الفاشل حين تظل قضية أكثر من ألفي عون عالقة بين الوزارات والمؤسسات؟ إن كانوا فاشلين لأنهم لم يحققوا حلمهم، فقد حاولوا بكل الطرق. أما إذا كان هناك من ظل نائما أمام هذا الملف، فالجمعية تقول إن المسؤولية لا ينبغي أن تلقى على الأعوان، بل يجب البحث عنها داخل الحكومة ومؤسسات الدولة ووزاراتها المعنية. وهنا ينتهي الكلام النظري عن “الحلم”، ويبدأ واقع أشخاص عاشوا سنوات وهم يعملون من أجل الدولة، وينتظرون فقط أن تمنحهم الدولة حقهم.