بقلم /إدريس طيطي لا نعرف ما تخبئه لنا الأقدار، ولا نعلم إلى أي منقلب تقودنا الأيام. هكذا تبدأ بعض الحكايات، بسيطة في ظاهرها، لكنها حين نقترب منها نكتشف أن وراءها سنوات من العمر، وذكريات، وعلاقات، وأحيانا جرحا لا يظهر من الوهلة الأولى. وكما جرت العادة، تحكى الحكايات من زوايا مختلفة، وقد تحمل كل جهة جزءا من الحقيقة. لذلك لا يمكن الوصول إلى الصورة الكاملة دون سماع جميع الأطراف. لكن بعض المشاهد الاجتماعية تكون أقوى من أن تمر أمام العين دون أن تترك أثرا، خصوصا حين يتعلق الأمر بإنسان وجد نفسه فجأة في مواجهة واقع لم يكن يتوقعه. في أحد أحياء مدينة القنيطرة، كانت امرأة في عقدها الخامس تجلس إلى جانب أمتعتها الموضوعة في الشارع. لم يكن المشهد عاديا بالنسبة إليها. هذه المرأة تقول إنها عاشت في ذلك المكان نحو خمسين سنة، وإن قصتها بدأت وهي في الثانية عشرة من عمرها، حين احتضنها أخوها الأكبر، فعاشت في كنفه حتى وفاته قبل نحو ثلاث سنوات. كان أخوها سندها وتقول عنه: “الكبير كان حنين عليا… كان مهلي فيا، الله يرضي عليه.” تلك السنوات صنعت بالنسبة إليها حياة كاملة. لم تكن ترى في البيت مجرد جدران، ولا في أخيها مجرد قريب، بل كان وجوده يمنحها الإحساس بأن لها ظهرا تستند إليه. لكن بعد وفاته، تقول إن الأمور تغيرت. وتروي أن أبناء أخيها، الذين عرفتهم منذ كانوا أطفالا، طلبوا منها مغادرة المنزل. حاولت طلب مهلة، لكنها تقول إنها لم تحصل عليها. “قلت ليهم عطوني غير مهلة… ما عطاوني لا مهلة… قالوا ليا تخرجي اليوم.” ثم تنظر إلى أمتعتها، وتطرح سؤالا يبدو بسيطا، لكنه في وضعها شديد القسوة: “حويجاتي كاملين كندير ليهم؟ ما عندي فين نمشي، فين نجي.” هنا تدخل الحكاية مرحلة أخرى. فالمرأة لا تتحدث عن فقدان منزل فحسب، وإنما عن فقدان المكان الذي اعتادت أن تعيش فيه منذ كانت طفلة. وفي الخارج، كان الجيران يتابعون المشهد. خمسون سنة من العيش في الحي جعلتهم يعرفون المرأة عن قرب، ولذلك لم يكونوا بالنسبة إلى هذه القصة غرباء. أحدهم يقول: “هادي راه أختنا في هاد الحومة… راه 50 سنة وهي عايشة هنايا، حنا بحال الإخوان.” ويتحدث عن سنوات سابقة، حين كان أبناء أخيها صغارا وكانت، حسب شهادته، ترعاهم وتهتم بهم. أما إحدى الجارات، فتتحدث عنها بعاطفة واضحة، وتقول إنها كانت تأتي إلى بيتها لتأكل وتشرب، قبل أن تختصر موقفها في عبارة واحدة: “على الأقل يعطيوها غير فين تسكن.” الجيران هنا لا يقدمون حكما قضائيا، ولا يملكون وحدهم مفاتيح الحقيقة، لكنهم يقدمون شيئا آخر: ذاكرة المكان. هم الذين رأوا المرأة وهي تكبر، وعرفوا أخاها، وعاشوا تفاصيل الحياة اليومية بالقرب منهم. وفي الوقت نفسه، تبقى رواية الطرف الآخر ضرورية حتى تكتمل الصورة، لأن ما ظهر أمام الناس هو نهاية قصة، وليس بالضرورة كل فصولها. أما المرأة، فقد كانت تواجه ليلتها الأولى بهذا الوضع. تقول: “ما عمرني ما دوزت القهرة في حياتي… غادي نعس حدا حوايجي.” وكان خوفها من الليل مضاعفا، لأنها لم تكن تعرف أين ستذهب ولا كيف ستدبر يومها التالي. وحين سئلت عن شعورها، جاء جوابها مختصرا: “حسيت بالحكرة؟” “بزاف… بزاف.” ومع ذلك، لم تكن كلماتها مليئة بالانتقام. قالت: “أنا ما داعية عليهم… ولكن غير ربي غادي ياخد الحق.” ثم عادت مرة أخرى إلى صورة أخيها الراحل، وكأنها تبحث في ذكراه عن تفسير لما آلت إليه حياتها: “عمروا ما خسر ليا خاطري، مهلي فيا.” ربما كان غياب ذلك الرجل هو اللحظة التي تغيرت فيها معادلة حياتها. فأحيانا لا نكتشف قيمة السند إلا عندما يغيب، ولا نعرف هشاشة بعض الأشخاص إلا عندما يجدون أنفسهم وحدهم أمام قسوة الواقع. هذه الحكاية ليست دعوة إلى إدانة طرف أو تبرئة آخر، وإنما وقفة أمام مشهد إنساني يستحق أن نتأمله. امرأة قضت سنوات طويلة في المكان نفسه، ثم وجدت نفسها خارجه، وبين يديها أمتعة وذاكرة عمر كامل. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه، بعيدا عن الأحكام: حين يفقد الإنسان سنده، من يمنحه الأمان؟ ولعل أقسى ما في الحكاية أن المرأة لم تكن تطلب، في تلك اللحظة، أكثر من مكان تضع فيه رأسها، وتحفظ فيه ما تبقى من أشيائها وكرامتها. أما الحقيقة الكاملة، فتظل مفتوحة على روايات جميع الأطراف، لأن الحكايات العادلة لا تبدأ بالحكم، بل بالسؤال. لا نعرف ما تخبئه لنا الأقدار… لكننا نعرف أن الإنسان قد ينتقل، في لحظة واحدة، من بيت اعتاده نصف قرن إلى شارع لم يكن يعرف أنه سيصبح يوما عنوانا لليلته..