حان وقت الوضوح.. إما حماية استقرار المنطقة أو ترك الإرهاب يعيد رسم الخرائط

ادارة النشر7 مايو 2026آخر تحديث :
حان وقت الوضوح.. إما حماية استقرار المنطقة أو ترك الإرهاب يعيد رسم الخرائط
ادريس طيطي
لم تعد الأحداث الأخيرة التي عرفتها الأقاليم الجنوبية للمملكة مجرد وقائع معزولة يمكن المرور عليها بصمت أو إدراجها ضمن “التوتر المعتاد” في ملف الصحراء المغربية، بل أصبحت مؤشرات خطيرة على تحول نوعي في طبيعة التهديدات التي تستهدف المغرب، سواء عبر استهداف مناطق مدنية آمنة، أو عبر ضرب المصالح الاقتصادية والتجارية للمملكة في عمق الساحل الإفريقي.
فاستهداف مدينة السمارة بمقذوفات متفجرة، وما رافقه من استهداف لشاحنات مغربية على الطرق الرابطة بين دول الساحل، يؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات السياسية بالأجندات المسلحة، وتتشابك فيها التنظيمات الانفصالية مع بيئة إقليمية هشة ومفتوحة على كل الاحتمالات.
إن استهداف مناطق قريبة من المدنيين بمدينة السمارة يمثل تحولا خطيرا في قواعد الاشتباك، لأنه ينقل الصراع من منطق المواجهة السياسية إلى منطق تهديد أمن السكان والاستقرار الداخلي. كما أن استهداف القوافل التجارية المغربية في العمق الإفريقي لم يعد مجرد حادث عابر، بل أصبح رسالة مباشرة تستهدف الدور الاقتصادي والاستراتيجي الذي بات المغرب يرسخه داخل القارة الإفريقية.
نحن اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، لا يقبل المنطقة الرمادية ولا لغة المواقف الملتبسة. فإما أن يكون المنتظم الدولي مع أمن المغرب واستقرار مواطنيه ووحدة أراضيه، وإما أن يترك الباب مفتوحا أمام جماعات مسلحة تستهدف المدنيين وتهدد أمن المنطقة بأكملها. لم يعد الأمر مجرد نزاع سياسي تقليدي، بل أصبح مرتبطا بشكل مباشر بأمن الشعوب واستقرار الدول واحترام القانون الدولي.
إن تكرار هذه العمليات يفرض طرح سؤال واضح وصريح: هل ما تزال جبهة البوليساريو حركة سياسية كما يتم تقديمها في بعض الخطابات، أم أنها تحولت إلى تنظيم يمارس أفعالا تحمل كل خصائص التنظيمات الإرهابية؟ فحين يتم استهداف مناطق مدنية، وتهديد القوافل التجارية، وبث الرعب في محيط السكان، فإن العالم يصبح مطالبا بموقف واضح لا يقبل التأويل.
إما تصنيف البوليساريو كتنظيم إرهابي يهدد الأمن الإقليمي، وإما القبول الضمني باستمرار حالة الفوضى والتصعيد. فلا يمكن الحديث عن دعم السلام، وفي الوقت نفسه التغاضي عن هجمات تستهدف المدنيين وشاحنات تحمل أرزاق الأبرياء.
الأخطر من ذلك، أن يتحول إعلام دولة جارة إلى منصة للاحتفاء بعمليات تستهدف التراب المغربي وتقديمها باعتبارها “إنجازات”. هنا يصبح السؤال أكثر حدة: هل يمكن لدولة تدعي احترام الشرعية الدولية أن تسمح بالترويج لأعمال عدائية ضد دولة جارة دون مساءلة؟ وهل الصمت عن هذا الخطاب لا يعني عمليا ضربا للقوانين الدولية ولقواعد حسن الجوار عرض الحائط؟
إن الاعتراف الإعلامي المتكرر بهذه العمليات، والاحتفاء بها، يضع الجزائر أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية وقانونية أمام المنتظم الدولي، لأن تبرير أو تمجيد أي عمل يستهدف أمن الدول أو سلامة المدنيين لا يمكن فصله عن مناخ التحريض والتصعيد الذي يغذي التوتر في المنطقة.
وفي خضم هذه التطورات، تجد موريتانيا نفسها أيضا أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على حماية حدودها ومنع أي استغلال لأراضيها أو مناطقها الحدودية من طرف جماعات مسلحة تهدد أمن الجوار. فالهشاشة الأمنية في الساحل لم تعد خطرا محليا، بل أصبحت تهديدا عابرا للحدود، تتداخل فيه شبكات التهريب والجماعات المسلحة والحسابات الجيوسياسية.
كما أن ما وقع في مالي، وما تعرضت له الشاحنات المغربية من استهداف، يبرز أن المصالح الاقتصادية للمغرب أصبحت بدورها ضمن دائرة التهديد. فالمغرب لم يعد فاعلا محليا فقط، بل تحول إلى قوة اقتصادية إقليمية تراهن على الربط التجاري والاستثماري مع عمقه الإفريقي، وهو ما يجعل أي استهداف لهذه المصالح محاولة مباشرة لضرب المشروع الاستراتيجي المغربي في القارة.
ورغم كل ذلك، ما يزال المغرب يتعامل بعقلانية كبيرة، مستندا إلى الشرعية الدولية، ومتمسكا بخيار الاستقرار والحلول الدبلوماسية، لكنه في المقابل يملك كامل الشرعية للدفاع عن أمنه ووحدته الترابية وحماية مواطنيه ومصالحه الاستراتيجية.
لقد اختار المغرب لسنوات طريق الحكمة وضبط النفس، مؤمنا بأن الاستقرار الإقليمي لا يبنى بالحروب ولا بالشعارات العدائية، لكن استمرار هذه الاستفزازات يفرض اليوم نقاشا صريحا وواضحا: إلى متى يستمر الصبر أمام تهديد الأمن الوطني؟ وإلى أي حد يمكن القبول بمحاولات استهداف الوطن ومواطنيه دون تحرك دولي حازم؟
حان وقت الوضوح.
إما حماية استقرار المنطقة وتجفيف منابع التحريض والعنف، وإما ترك الإرهاب يعيد رسم خرائط التوتر والفوضى في شمال إفريقيا والساحل.
فأمن المغرب ليس قضية مغربية فقط، بل جزء من أمن إقليمي ودولي أصبح مهددا أكثر من أي وقت مضى
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة