المنصوري للأزمي: «غادي تولف تقول الرئيسة».. هكذا بدأ القصف حتى كادت قبة البرلمان تنفجر!

ادارة النشرمنذ ساعتينآخر تحديث :
المنصوري للأزمي: «غادي تولف تقول الرئيسة».. هكذا بدأ القصف حتى كادت قبة البرلمان تنفجر!
– بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي –
بعد أن سبق لنا التوقف عند مداخلة إدريس الأزمي الإدريسي وريم شباط وما حملتاه من انتقادات للحكومة، تأتي هذه المرة لحظة الرد من الجهة الأخرى. فخلال مناقشة البرنامج الحكومي، وجدت فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها رئيسة الحكومة، نفسها أمام تعقيب للأزمي رفع فيه سقف المواجهة، معلنا أن حزبه سيكون «بالمرصاد» للحكومة. لكن ردها لم يأت كله بلغة سياسية مباشرة، بل امتزجت فيه الفكاهة بالرسائل التي تستحق التوقف عندها.
أولى هذه اللحظات جاءت عندما خاطبها الأزمي بعبارة «السيد الرئيس» أكثر من مرة، لتتدخل المنصوري وتحثه على استعمال كلمة «الرئيسة»، قبل أن تستدرك بروح مرحة: «غادي تولف». قد تبدو المسألة في ظاهرها تصحيحا لغويا، غير أنني توقفت عند إصرارها على إضافة التاء المربوطة، باعتبارها امرأة تتولى رئاسة الحكومة، في موقع سياسي ومؤسساتي لا ينتقص من صلاحياته ولا من مسؤولياته اختلاف جنس من يشغله.
ربما أرادت المنصوري أن تمرر رسالة تتجاوز مجرد ضبط المخاطبة: نعم، أنا امرأة، لكنني هنا بصفتي رئيسة للحكومة، أتحمل المسؤولية وأدافع عن قناعاتي، . وقد يكون قولها «غادي تولف» تعبيرا عفويا عن ضرورة التعود على هذا الواقع، لكنه في سياق المواجهة اكتسب دلالة رمزية إضافية.
ومن هنا يمكن، بحذر، استحضار النقاش الذي ارتبط في مراحل سابقة بصورة المرأة داخل بعض الخطابات السياسية، ومنها استعمال كلمة «التريّة»، التي تحيل في الدارجة المغربية إلى المصباح الذي ينير المنزل. لا أجزم بأن المنصوري قصدت هذا الربط تحديدا، لكن المفارقة تظل قابلة للنقاش: المرأة التي قد تختزلها بعض الصور النمطية في دور منزلي، تقف اليوم في موقع رئاسة الحكومة، وتدير النقاش وتواجه الانتقادات وتدافع عن اختياراتها السياسية.
وحاولت ان تمرر الأبعد من ذلك ، بأن المرأة ليست مجرد صورة رمزية أو أداة لإنارة البيت؛ إنها عقل وقناعة ومشاركة وعطاء، مثلها مثل الرجل. وبنات المغرب اللواتي يسهر آباؤهن وأمهاتهن على تعليمهن وتكوينهن يستحققن أن تتسع أمامهن آفاق المشاركة والمسؤولية، لا أن تحاصرهن تصورات مسبقة عن الأدوار التي ينبغي أن يشغلنها. فهل كان في تصحيح المنصوري للكلمة تذكير غير مباشر بهذا المعنى؟ يظل ذلك تأويلا شخصيا، لا حقيقة مؤكدة عن نيتها.
لكن، وللأمانة، فإن ما استوقفني في هذه المواجهة لم يكن التاء المربوطة وحدها، ولا العبارات الساخرة التي تبادلتها الأطراف، بل أيضا الطريقة التي استقبل بها كل طرف كلام الآخر. فلا يمكن إنكار أن مداخلة الأزمي كانت قوية، وتضمنت انتقادات حادة واتهامات مباشرة، وهي أمور ليس من السهل تلقيها، خصوصا عندما تتجاوز الاختلاف حول البرامج والسياسات إلى التشكيك في بعض الممارسات والاختيارات السياسية.
ومع ذلك، ظلت المنصوري تستمع إلى مداخلة الأزمي، وتنتظر انتهاءه قبل أن تأخذ الكلمة للرد. وهنا أطرح السؤال: هل تعمدت رئيسة الحكومة الصبر والإنصات، وضبط إيقاع المواجهة حتى تستوعب مختلف ما طرحه الأزمي، ثم تجيبه عن النقاط التي أثارها؟ أم أن الأمر يتعلق باختلاف في أسلوب التعامل مع المواجهة السياسية؟ لا يمكن الجزم بالنوايا، لكن هذه هي الملاحظة التي سجلتها وأنا أتابع المشهد.
في المقابل، عندما بدأت المنصوري ردها، ارتفعت حدة التفاعل داخل القاعة، وظهرت احتجاجات الأزمي وبعض أعضاء فريقه، إلى درجة أن الضجيج والمقاطعات استدعيا تدخل رئيس مجلس النواب لإعادة الهدوء إلى الجلسة. وهنا وجدت نفسي أمام سؤال آخر: هل كان رد المنصوري قويا إلى الحد الذي جعل الأزمي وفريقه يتفاعلون معه بهذه الحدة، أم أن اختلاف أسلوب المواجهة بين الطرفين هو الذي صنع هذا التباين؟
وللأمانة، لا أريد أن أقلل من قوة مداخلة الأزمي، ولا أن أحكم على الرجل من خلال لحظة احتجاج أو انفعال، لكنني أتوقف عند المفارقة التي ظهرت أمام المتابع: المنصوري استمعت إلى انتقادات حادة واتهامات مباشرة، بينما لم يمر ردها دون احتجاجات وضجيج. إنها ملاحظة تستحق النقاش، دون تحويلها إلى حكم نهائي على أي من الطرفين. فقد يكون مضمون الرد قد أثار ردود الفعل، وقد يكون الأمر مرتبطا أيضا بطبيعة الخلاف السياسي وتراكماته، لكن المشهد يطرح سؤالا مشروعا حول اختلاف طريقة استقبال النقد والرد عليه.
أما اللحظة الأبرز في ردها، فجاءت عندما استحضرت عبارة الأزمي: «أنا جالس ليكم هنا بالمرصاد». فقد التقطت المنصوري العبارة وحولتها إلى مادة للفكاهة، وسط الضحك والتصفيق، متسائلة عمليا عن جدوى إعلان المواجهة بهذه الطريقة. ثم انتقلت إلى الحديث عن النوايا الحسنة، مؤكدة أن دور البرلمان يقوم على وجود أغلبية تدبر ومعارضة تناقش وتنتقد، وأنها ستستمع إلى النصائح وتناقشها، مع تحمل مسؤوليتها.
هنا يتضح أن الفكاهة لم تكن منفصلة عن مضمون الرد. فحين يقول الأزمي إنه سيكون بالمرصاد، يمكن فهم كلامه باعتباره إعلانا عن ممارسة الرقابة والمعارضة، وهو حق سياسي ودستوري. لكن المنصوري أعادت العبارة إليه بأسلوب ساخر، وكأنها تذكر بأن العلاقة بين الحكومة والمعارضة لا ينبغي أن تختزل في إعلان المواجهة، بل يفترض أن تقوم على النقاش حول مصالح المواطنين. لقد واجهت التحدي دون أن تتخلى عن لغة الحوار، لكنها لم تقبل أيضا أن تحتكر المعارضة موقع الهجوم.
ولم يتوقف ردها عند هذه اللحظة. فقد استحضرت ملفات ووقائع أثارها الأزمي في تعقيبه، من بينها قضية «الصاك» المرتبطة بطنجة، والاتهامات المتعلقة بالفساد الانتخابي، وملفات المخدرات، لترد عليها من موقع الدفاع عن حزبها وحكومتها، مستعينة بدورها بوقائع من الماضي السياسي لحزب العدالة والتنمية. كما ناقشت ما أثير بشأن المسار الانتخابي، وانتقدت ما اعتبرته ازدواجية في الخطاب بين قبول النتائج حين تكون في مصلحة الحزب والتشكيك فيها حين لا تأتي كما يريد.
وبذلك لم يكن رد المنصوري مجرد تفنيد لنقاط وردت في مداخلة الأزمي، بل امتد إلى مواجهة أوسع تتقاطع فيها الذاكرة الحزبية مع اختلاف المرجعيات السياسية. فبين الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية تاريخ من التنافس والتجاذب، ولا يمكن فصل بعض عبارات هذه المواجهة عن ذلك السياق. ويبدو أن المنصوري أرادت، من خلال استحضار بعض الوقائع والرد على الاتهامات، أن توصل رسالة مفادها أن الأغلبية لن تكتفي بتلقي الانتقادات، وأن لها بدورها ما تقوله دفاعا عن اختياراتها ومواقفها.
لكن استحضار الماضي، مهما كان مبرره، لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم: كيف يمكن لكل طرف أن يقدم للمغاربة بديلا عمليا عن الآخر؟ فالمعارضة مطالبة بمراقبة الحكومة وكشف الاختلالات وتقديم البدائل، والأغلبية مطالبة بالدفاع عن برنامجها وترجمة وعودها إلى نتائج ملموسة. أما تحويل كل اختلاف إلى مواجهة مفتوحة، فقد يجذب انتباه المتابعين، لكنه لا يكفي وحده لإقناع المواطنين بجدوى العمل السياسي.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يعنينا كمواطنين ومتابعين للشأن العام: هل ستنعكس هذه الحيوية في النقاش البرلماني على جودة الأداء الحكومي والرقابي؟ وهل ستتحول انتقادات المعارضة إلى بدائل قابلة للتطبيق، وتتحول ردود الأغلبية إلى إنجازات ملموسة؟ أم أن البرلمان سيصبح، مع توالي الجلسات، فضاء تتنافس فيه الأطراف على قوة الردود وخفة النكتة وحدّة الاتهامات، بينما تظل انتظارات المواطنين معلقة؟
لقد أظهرت هذه المواجهة أن السياسة لا تدار بالأرقام وحدها، ولا بالكلمات الحادة وحدها، بل أيضا بالقدرة على قراءة السياق وتوظيف الخطاب. وقد تنجح جملة ساخرة في جذب انتباه المشاهدين، لكن قيمتها السياسية تظل مرتبطة بما تفتحه من نقاش وما يعقبها من عمل.
#فاطمة_الزهراء_المنصوري #إدريس_الأزمي #رئاسة_الحكومة #البرلمان_المغربي #الأغلبية_والمعارضة #العدالة_والتنمية #الأصالة_والمعاصرة #مناقشة_البرنامج_الحكومي #السياسة_المغربية #الحصاد24
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة