لم يكن ترحيب لجنة المعلمين السودانيين بالزيادات الأخيرة التي أقرتها السلطات على مرتبات العاملين بالدولة إلا خطوة تكتيكية في مسار مواجهة طويلة، وليس صك غفران لسلطة تواصل خنق قطاع التعليم وتجويع كوادره. إن إعلان اللجنة عن ارتفاع راتب المعلم في الدرجة الأولى إلى 501 ألف جنيه، وتأرجح رواتب المعلمين من الدرجة الثانية وحتى التاسعة بين 323 ألفاً و452 ألف جنيه، لا يمثل إنجازاً كاملاً، بل هو اعتراف متأخر بجزء ضئيل من الحقوق المسلوبة وسط طوفان التضخم الغاشم الذي يلتهم الأخضر واليابس. إن هذه الصياغة الحالية لملف الأجور لا تنطلي على أحد، ولن تكون مخدراً لغضب المعلمين. لقد جاء بيان اللجنة حاسماً ومهدداً، ليفكك أوهام السلطة التنفيذية وقرارات مجلس الوزراء العاجزة؛ فاللجنة لم تقف عند حدود رصد الأرقام، بل وضعت السلطة أمام خيارات أحلاها مر، مشددة بنبرة رادعة على أنه لا مساومة في المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها الرفع الفوري واللامشروط للحد الأدنى للأجور إلى 360 ألف جنيه سوداني كخط أساس لا يمكن النزول تحته للعيش بكرامة.
علاوة على ذلك، أطلقت اللجنة تحذيراً شديد اللهجة بشأن ضرورة المراجعة الشاملة والجذرية لملف العلاوات والبدلات، ملوحة بأن أنصاف الحلول والفتات لم يعد مقبولاً. ولم تتوقف المطالب عند حدود المعاش اليومي، بل امتدت لتضرب في عمق السياسة المالية للدولة، بمطالبة حازمة لتخصيص 20% من إجمالي ميزانية الدولة للتعليم، في تحدٍ صارخ للأولويات الحكومية الحالية التي تهمل بناء الإنسان وتستثمر في الجبايات والبيروقراطية. وفي ذروة التصعيد، وضعت اللجنة ملف المعلمين في إقليمي كردفان ودارفور كخط أحمر لا يقبل التسويف أو المماطلة. إن تهميش المعلم في تلك المناطق المنكوبة تحت وطأة الصراعات لم يعد مجرد إهمال إداري، بل هو جريمة مكتملة الأركان تتطلب معالجة فورية وحاسمة لأوضاعهم المأساوية. على السلطة الحاكمة أن تعي جيداً أن صمت المعلمين قد انتهى، وأن هذه الزيادات ليست نهاية المطاف بل هي الوقود الإضافي لمعركة انتزاع الحقوق كاملة غير منقوصة. إن اليد التي وقعت على قرار زيادة الأجور مجبرة، يجب أن تعلم أن المهلة الزمنية لتنفيذ بقية الاستحقاقات قد بدأت بالنفاد، ولن يقبل الميدان بأي تراجع أو وعود جوفاء.