في أول تعليق رسمي له من مدينة سبتة المحتلة، وصف رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، التدفق الجماعي للمهاجرين بأنه “هجوم على السيادة الوطنية الإسبانية”، مؤكدا أن حكومته ستسخر جميع إمكانيات الدولة لاستعادة السيطرة على الوضع والدفاع عن حدود البلاد، في وقت تعيش فيه المدينة حالة استنفار غير مسبوقة بسبب تجاوز أعداد الوافدين لقدراتها الاستيعابية.
وخلال زيارته لمعبر تراخال الحدودي، أوضح سانشيز أن التحقيقات والاتصالات التي أجرتها مدريد مع السلطات المغربية أظهرت أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت تفسيرا مضللا لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، وروجت بين المهاجرين لفكرة استحالة إعادتهم إلى المغرب إذا وصلوا إلى سبتة سباحة، وهو ما شجع آلاف الأشخاص على خوض محاولة العبور.
وأكد رئيس الحكومة الإسبانية أن هذا التفسير لا يعكس مضمون القرار القضائي، بل يخدم مصالح مافيات تهريب البشر التي استغلت ثغرة قانونية لتحقيق أرباح على حساب أرواح المهاجرين، معربا عن أسفه لسقوط عشرات الضحايا خلال محاولات العبور، ومشددا على أن إسبانيا ستواصل التنسيق مع المغرب لمحاربة شبكات التهريب وتسريع عمليات إعادة المهاجرين.
ويعود أصل الجدل إلى حكم للمحكمة العليا الإسبانية يمنع ما يعرف بـ”الإرجاع الفوري” للمهاجرين الذين يصلون إلى سبتة أو مليلية عبر البحر، باعتبار أن المياه لا تمثل حاجزا حدوديا ماديا مثل السياج الحدودي، وهو ما يفرض إخضاع الوافدين للإجراءات القانونية العادية، بما يشمل الاستفادة من المساعدة القانونية وإمكانية طلب الحماية الدولية.
ورغم أن الحكم صدر في إطار تعزيز ضمانات حقوق الإنسان، فإن السلطات الإسبانية ترى أن شبكات التهريب حولته إلى أداة لاستقطاب المهاجرين، بعدما روجت لتفسير خاطئ مفاده أن الوصول سباحة يعني البقاء داخل الأراضي الإسبانية وعدم إمكانية الإعادة الفورية.
وفي كلمته أمام سكان المدينة، حاول سانشيز طمأنة الرأي العام المحلي، مؤكدا أن “إسبانيا بأكملها تقف إلى جانب سبتة”، وأن الدولة ستستخدم كل الوسائل المتاحة لاستعادة النظام، مشددا على أن سبتة ومليلية تمثلان أيضا الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
لكن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية لم تمر في أجواء هادئة، إذ استقبلته مجموعات من السكان بصيحات الاستهجان والهتافات المطالبة برحيله، في تعبير عن حالة الغضب والقلق التي تعيشها المدينة بعد تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين خلال فترة وجيزة. كما شهد محيط مقر البلدية توترا أمنيا بعد محاولات للاعتداء على بعض المهاجرين، ما استدعى تدخل قوات الأمن لمنع وقوع مواجهات.
وتعيش سبتة منذ اندلاع الأزمة وضعا استثنائيا، مع انتشار أمني وعسكري مكثف وإغلاق عدد من المحال التجارية والمطاعم، بينما تواجه السلطات المحلية تحديا غير مسبوق في تدبير الأوضاع الإنسانية والأمنية، في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها نحو 84 ألف نسمة، في وقت تتواصل فيه الجهود المغربية والإسبانية لاحتواء الأزمة والحد من نشاط شبكات تهريب البشر.