وأنا أتصفح صفحات موقع الفايسبوك، استوقفني بيان لم أستطع أن أمر عليه مرور الكرام. بيان أعاد إلى ذهني قضية أكبر بكثير من خبر عابر أو احتجاج مهني؛ قضية فئة تعيش بيننا كل يوم، لكنها تعيش أيضا في صمت ثقيل: عمال النظافة. البيان الصادر عن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بمدينة القنيطرة تحدث عن تأخر أجور عمال النظافة التابعين لشركة أرما التي تسلمت تدبير القطاع بعد شركة ساكنية بيئة. وقد يظن البعض أن الأمر مجرد مشكل إداري عابر، لكن الحقيقة أن القضية أعمق بكثير. لأننا حين نتحدث عن عمال النظافة، فنحن لا نتحدث عن وظيفة عادية، بل عن مهنة قاسية فرضتها الظروف على أناس لم يختاروها يوما. أناس دفعتهم الحاجة وضيق الحال إلى مواجهة ما يهرب منه الجميع. دعونا نقولها بصراحة: كثير منا لا يستطيع الوقوف لدقائق قرب حاوية نفايات، لكن هناك رجال يقضون ساعات طويلة وسط تلك الروائح الخانقة والأوساخ والمخلفات الخطرة، فقط لكي نستيقظ نحن على شوارع نظيفة. لهذا أقولها بوضوح: تأخر رواتب عمال النظافة أمر غير مقبول، بل ضرب من الجنون. قد تتأخر أجور فئات أخرى، وقد يحدث ذلك في قطاعات مختلفة، لكن رواتب عمال النظافة يجب أن تكون خطا أحمر. بل أكثر من ذلك، يجب أن تكون رواتبهم مرتفعة ومحترمة، لأن العمل الذي يقومون به لا يمكن أن يقاس برواتب هزيلة. فهؤلاء العمال، لو توقفوا عن العمل ليومين فقط، ستتحول مدننا إلى فضاءات خانقة. ولو استمر الأمر أسبوعاً، فلن يستطيع أحد أن يفتح نافذة بيته. نحن بالكاد نستطيع المرور قرب الأزبال حين تتراكم، فكيف يتحملها هم لساعات طويلة كل يوم؟ لكن الحقيقة التي يجب أن تقال أيضا، أن جزءا من معاناة عمال النظافة نحن المواطنون مسؤولون عنه. طريقة تعاملنا مع نفاياتنا، في كثير من الأحيان، تزيد من قسوة عملهم وتضاعف معاناتهم. نحن نرمي كل شيء في كيس واحد ه: بقايا الطعام، الزجاج المكسور، العلب المعدنية، السوائل، وحتى أشياء قد تكون خطرة. أو يمكن تشتيته عشوائيا، ثم يأتي عامل النظافة ليغوص بيديه في هذا الخليط الفوضوي، دون أن يعرف ما الذي قد يجرحه أو يؤذيه. لماذا لا نفكر قليلا في هؤلاء الناس؟ لماذا لا نحاول أن نجعل نفاياتنا نفسها محترمة ومؤدبة؟ لماذا لا نضع الأزبال في أكياس بلاستيكية محكمة الإغلاق؟ ولماذا لا نحاول فرزها ولو بشكل بسيط: زجاج في كيس وحده، مواد عضوية في كيس وحدها، علب وحديد في كيس آخر؟ هذا لا يكلفنا شيئا، لكنه يخفف كثيرا من معاناة عامل النظافة، ويساهم في تسهيل عمله، ويحفظ له شيئا من الكرامة. في بلدان كثيرة يتم فرز النفايات قبل رميها، ليس فقط من أجل البيئة، بل احتراماً لمن سيجمع تلك النفايات. أما عندنا، فكثيراً ما تتحول الحاوية إلى خليط خانق من السوائل والعصارات والروائح التي تكاد تخنق الأنفاس. ومع ذلك يتحملها العامل، لأنه ببساطة مجبر على ذلك. وتزداد المعاناة أكثر في المناطق الشعبية، التي لها خصوصياتها وتعقيداتها؛ هناك حيث الأزقة الضيقة، والكثافة السكانية، وكثرة النفايات، وصعوبة الوصول أحيانا إلى بعض الأماكن. وفي تلك الأحياء تحديدا تتضاعف معاناة عمال النظافة في مناسبات معينة. فمع اقتراب عاشوراء مثلا، تنتشر عادة إشعال النار في إطارات السيارات. ورغم جهود السلطات، يبقى القضاء على هذه الظاهرة بشكل كامل أمرا صعبا في بعض المناطق. لكن السؤال هو: من سيواجه مخلفات تلك الحرائق في اليوم التالي؟ إنهم عمال النظافة. تراهم في الصباح وكأنهم خرجوا من وسط مطمورة من الرماد: وجوه مغطاة بالسواد، ملابسهم غارقة في الغبار، وأنفاسهم تختنق بدخان الإطارات المحترقة، وهم يجمعون بقايا الأسلاك والرماد. ثم يأتي عيد الأضحى، حيث يعيش الناس فرحة العيد، بينما تبدأ مهمة شاقة لعمال النظافة بين بقايا الذبائح، ومخلفات الشواء، وجلود الأضاحي التي ترمى في الأزقة والشوارع. ومع ذلك يعملون بصمت. لهذا فإن الحديث عن كرامة هذه الفئة لا يجب أن يبقى مجرد شعارات. الكرامة تعني أشياء واضحة: أن تكون رواتبهم محترمة وعالية. أن تصرف في وقتها دون تأخير. أن تتوفر لهم ملابس عمل سميكة تحميهم. أن توفر لهم كمامات ووسائل وقاية. أن يحصلوا على معدات ولوجستيك حديث يسهل عملهم. وأن يعملوا في بيئة مهنية تحترم إنسانيتهم ولا تقهرهم. لأن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها هي أن هؤلاء لا يسمح ان يكونوا في أسفل السلم الاجتماعي كما يتصور البعض. بل على العكس تماما إنهم الدرع الذي يحمي مدننا من الغرق في النفايات، وهم الجنود المجهولون الذين يعملون حين ينام الجميع. ولهذا أقولها بكل اقتناع: عمال النظافة ليسوا مجرد عمال. إنهم تيجان فوق رؤوسنا.