البام والأحرار.. من حرب الحملة إلى طاولة الحكومة: هل تتحمل المنصوري كلفة إعادة التحالف؟

ادارة النشرمنذ ساعتينآخر تحديث :
البام والأحرار.. من حرب الحملة إلى طاولة الحكومة: هل تتحمل المنصوري كلفة إعادة التحالف؟
إدريس طيطي
لم تعد مشاورات تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مجرد لقاءات لجس النبض بين الأحزاب، بل دخلت مرحلة الحسابات الدقيقة: من سيدخل؟ ومن سيخرج؟ ومن سيقدم التنازلات؟ والأهم، كيف يمكن بناء أغلبية لا تبدأ عملها وهي تحمل معها تناقضات المرحلة الانتخابية؟
في قلب هذه المعادلة يوجد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي لم يحسم نهائيا موقعه في الحكومة المقبلة، لكنه يواجه تحفظات قوية داخل الأصالة والمعاصرة، في اتجاه يبدو أنه يفضل صيغة مختلفة عن التحالف الذي حكم خلال الولاية السابقة.
غير أن تعقيد العلاقة بين البام والأحرار لا يرتبط فقط بما يجري اليوم داخل غرف المشاورات، بل بما تراكم بين الحزبين خلال الحملة الانتخابية الأخيرة. فقد تابع الرأي العام خرجاتهما الإعلامية، والتصريحات المتبادلة بين قياداتهما، والاتهامات والردود التي جعلت العلاقة بين الطرفين واحدة من أكثر نقاط الصراع السياسي حضورا خلال الانتخابات.
وهنا تبرز عقدة أكبر من مجرد توزيع المقاعد والحقائب: ماذا سيقول الناخب الذي تابع كل ذلك، إذا وجد الحزبين نفسيهما بعد الانتخابات على طاولة واحدة لتشكيل الحكومة؟
فالمسألة بالنسبة إلى جزء من الرأي العام قد لا تقف عند حدود التحالف السياسي، وإنما قد تطرح سؤالا حول صدقية الخطاب الذي قدم خلال الحملة. فالناخب الذي صوت على أساس مواقف حادة تجاه حزب آخر قد يجد صعوبة في فهم انتقال تلك المواقف، في ظرف وجيز، من المواجهة إلى التوافق.
وتزداد حساسية المسألة بالنسبة إلى الفئات التي بنت موقفها الانتخابي على خلفية الصراع بين البام والأحرار. فإعادة جمع الطرفين داخل الحكومة قد تفتح نقاشا حول حدود الاختلاف السياسي، وما إذا كانت بعض مواقف الحملة الانتخابية تعكس خلافا حقيقيا أم أنها تنتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
وهذا لا يعني بالضرورة أن التحالف بين حزبين متنافسين أمر غير ممكن في السياسة، فالحكومات تقوم في كثير من الأحيان على التفاوض والتوافق. لكن خصوصية الحالة الحالية تكمن في أن الرأي العام لم يتابع خلافا عابرا، بل تابع مواجهة انتخابية تركت وراءها مواقف وتصريحات يصعب محوها بمجرد إعلان تشكيل الأغلبية.
ومن هنا، فإن استبعاد الأحرار، إذا اتجه البام فعلا إلى هذا الخيار، لن ينهي المشكلة بقدر ما سينقلها إلى مستوى آخر: كيف سيعوض البام الوزن السياسي والبرلماني للأحرار؟
حزب الاستقلال يبدو من أبرز مكونات المعادلة المقبلة، في ظل توجهه نحو المشاركة، لكنه لن يكون مجرد رقم لاستكمال الأغلبية. فالحزب، بحضوره البرلماني وتاريخه الحكومي، يدخل أي تفاوض وهو يحمل انتظارات سياسية وتنظيمية، فضلا عن نصيب ينتظر أن يكون محترما من المسؤوليات والحقائب الوزارية.
أما الحركة الشعبية، فوجودها المحتمل يفتح بدوره جبهة تفاوضية جديدة. ومحمد أوزين ليس أمام معادلة يمكن اختزالها في قبول أي صيغة كيفما كانت، خصوصا إذا أصبح حزبه أحد المفاتيح التي تحتاج إليها الأغلبية الجديدة. وكلما احتاجت المنصوري إلى أصوات إضافية، ارتفع منسوب التفاوض حول المقابل السياسي لهذه المشاركة.
ثم يأتي التقدم والاشتراكية، الذي عاد إلى واجهة المشاورات من خلال اللقاء بين نبيل بنعبد الله والمنصوري، ليضيف رقما آخر إلى الحسابات. ورغم أن مقاعده وحدها لا تكفي لصناعة أغلبية، فإن دخوله في تركيبة موسعة قد يصبح جزءا من الحل إذا تعقدت الحسابات حول مكونات الأغلبية الأساسية.
وهكذا، فإن كل خطوة لإبعاد طرف تفتح الحاجة إلى طرف آخر، وكل طرف جديد يعني تفاوضا جديدا حول البرنامج والمواقع والحقائب. ولذلك فإن خيار عدم إشراك الأحرار، إن تم اعتماده، قد يفرض على البام تقديم تنازلات لشركاء جدد حتى يضمن أغلبية قادرة على الصمود، لا مجرد أغلبية حسابية تمرر لحظة تشكيل الحكومة.
وهنا بالضبط تكمن صعوبة مهمة المنصوري. فهي لا تفاوض فقط على عدد المقاعد، وإنما تفاوض على تركيبة سياسية يجب أن تكون قابلة للحياة، وفي الوقت نفسه مطالبة بأن تفسر للرأي العام كيف انتقلت الأحزاب من لغة الانتخابات إلى لغة الحكومة.
فالوقت يضغط، والحسابات تتداخل، وكل حزب يعرف أن موقعه في هذه المرحلة قد يحدد وزنه داخل الحكومة المقبلة. والاستقلال يريد أن يترجم حضوره، والحركة الشعبية لن تكون بالضرورة رقما صامتا، والتقدم والاشتراكية يبحث عن موقعه، بينما الأحرار ما زالوا ينتظرون معرفة ما إذا كان باب العودة إلى الحكومة سيبقى مفتوحا أم سيغلق نهائيا.
لهذا تبدو الأيام المقبلة عصيبة سياسيا على المنصوري، ليس لأن تشكيل الأغلبية مستحيل، وإنما لأن صيغة الأغلبية هي التي أصبحت هي المشكلة.
فالحكومة يمكن أن تتشكل في النهاية، وقد تجد الأحزاب مخارج لكل عقدة، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في شكلها، وفي قدرتها على إقناع الرأي العام بأن ما جرى خلال الحملة الانتخابية لم يكن مجرد مواجهة تنتهي بمجرد ظهور نتائج الصناديق.
وبين تحالف يعيد إنتاج المرحلة السابقة، وأغلبية جديدة تتطلب تنازلات متعددة، تظل كل الاحتمالات مفتوحة، إلى أن تكشف المشاورات الأخيرة عن الصيغة التي ستخرج بها حكومة المنصوري إلى الوجود.
#البام #الأحرار #حكومة_المنصوري #فاطمة_الزهراء_المنصوري #مشاورات_تشكيل_الحكومة #الاستقلال #الحركة_الشعبية #التقدم_والاشتراكية #التحالفات_الحكومية #انتخابات_2026
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة