في قراءة لرد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، على رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، لا يتعلق الأمر بمجرد سجال سياسي عابر، بل بخطاب يحمل أكثر من رسالة، ويطرح أسئلة حول طبيعة العلاقات السياسية وحدود الود والاحترام بين الفاعلين، خصوصا حين تتغير مواقعهم وتتبدل طبيعة المواجهة بينهم.
لعل أبرز ما يستوقف المتابع في خطاب بنكيران هو ذلك التحول في طريقة الإشارة إلى فاطمة الزهراء المنصوري. فقبل تشكيل الحكومة، وخلال لقاء إعلامي بمنزله، شدد على أنها تستحق الاحترام باعتبارها رئيسة حكومة المغرب، ومعينة من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس. يومها استحضر الصفة المؤسساتية، وجعل منها أساسا لاحترامها. لكن بعد تشكيل الحكومة، يبدو أن شيئا ما تغير في قاموسه؛ إذ انتقل من وصفها بـ«رئيسة الحكومة» إلى تسميتها بـ«المراكشية المحترمة».
فهل طارت اعتبارات البروتوكول من خطاب بنكيران بمجرد انتقال المنصوري إلى ممارسة مسؤوليتها الحكومية والدخول في سجال مع حزبه؟ وهل نحن أمام مجرد اختيار لغوي عابر، أم أن حدة المواجهة السياسية بدأت تتقدم على لغة المجاملة المؤسساتية؟ لا تكفي العبارة وحدها للحكم على نواياه، لكن المقارنة بين التصريحين تفتح الباب أمام قراءة التحول في خطابه، خاصة أن الرجل نفسه سبق أن ربط احترام المنصوري بموقعها الرسمي.
وفي المقابل، تكشف طريقة حديثه عن فوزي لقجع، وزير المالية، وجها آخر من خطابه. فقد اعترف بنكيران بمتانة علاقته الشخصية به، وأقر بأنه قدم له خدمات في بعض الملفات، مؤكدا أنه كان يتمنى استمرار هذه العلاقة الإيجابية، حتى عندما كان لقجع مرشحا محتملا لرئاسة الحكومة. ثم انتقل إلى عتابه بسبب دخوله في الردود السياسية على حزب العدالة والتنمية، متسائلا عن علاقة وزير المالية بالسجال الحزبي، ومشددا على أن مجال تدخله ينبغي أن يكون السياسة المالية للدولة.
لكن العبارة التي تستحق التوقف عندها هي تساؤله عما كان سيحدث لو أصبح لقجع رئيسا للحكومة. ففي هذا الكلام، يمكن قراءة إشارة إلى أن طبيعة العلاقة بين الرجلين كانت ستظل حاضرة حتى في حال اختلاف المواقع، أو أن بنكيران كان يتوقع منه أسلوبا مختلفا في التعامل مع المعارضة. غير أن الجزم بأن العلاقة كانت ستأخذ منحى آخر لو تولى لقجع رئاسة الحكومة يظل استنتاجا لا يحسمه التصريح وحده.
وبين العتاب السياسي والاعتراف بالجميل، حافظ بنكيران على مساحة واضحة للود تجاه لقجع، رغم انتقاده تدخله في السجال الحزبي. وهنا يبرز التباين مع خطابه تجاه المنصوري، الذي أصبح أكثر ارتباطا بالمواجهة السياسية، وهو ما يطرح سؤالا حول المعايير التي تحكم لغة بنكيران حين يخاطب المسؤولين الذين يختلف معهم.
أما في ملف المخدرات، فقد اختار بنكيران أسلوب التحدي المباشر. فعندما استحضر واقعة شخص أوقف في آسفي وحكم عليه بالسجن خمس سنوات في قضية مرتبطة بالمخدرات، رفض تحويل الواقعة إلى دليل على مسؤولية حزب العدالة والتنمية، متسائلا عما إذا كان وجود شخص له صلة بالحزب، بحسب ما أثير في النقاش، يسمح بتعميم الاتهام على الحزب بأكمله.
ثم صعّد نبرة دفاعه، معلنا استعداده لمحاسبة الجميع إذا ثبت تورطهم، ومذكرا بأن خصومه سبق أن أثاروا ملف المخدرات سياسيا، ونظموا بشأنه تحركات ومؤتمرا بوزان، وفق روايته. كما استحضر معاناة الفلاحين الذين قال إنهم يجنون عائدات زهيدة، مؤكدا التعاطف معهم ورفض الظلم، قبل أن يرفض ما اعتبره محاولة للانتقال من اتهامات التطرف والإرهاب إلى اتهامات المخدرات بهدف تصفية الحسابات مع حزبه.
هذا الرد يعكس استراتيجية دفاعية تقوم على رفض التعميم، ومطالبة الخصوم بتقديم ما يثبت اتهاماتهم، مع تحويل النقاش إلى مساءلة الجهة التي توجه الاتهام. لكنه، في الوقت نفسه، يظل جزءا من رواية بنكيران السياسية، ولا يغني عن التمييز بين الوقائع القضائية الفردية والمسؤولية الحزبية التي تحتاج إلى أدلة مستقلة.
في المحصلة، لا يقدم خطاب بنكيران موقفا واحدا بسيطا، بل يجمع بين الاعتراف بالجميل تجاه لقجع، والعتاب على تدخله السياسي، والتشدد في الدفاع عن حزبه في ملف المخدرات، إلى جانب تغير لافت في طريقة مخاطبة المنصوري. وبين هذه المستويات، يظل السؤال قائما: هل يعكس الأمر اختلافا في العلاقات الشخصية، أم أن موقع كل طرف وطبيعة المواجهة معه هما ما يحددان لغة بنكيران؟
ولعل أكثر ما يستحق المتابعة ليس الأوصاف وحدها، بل ما إذا كان بنكيران سيواصل مخاطبة رئيسة الحكومة بصفة المنصب التي سبق أن شدد على احترامها، أم أن السجال السياسي سيكرس قاموسا جديدا تحكمه المواجهة أكثر مما تحكمه اعتبارات البروتوكول.