مناظرة الصحراء المغربية بالأمم المتحدة.. عمر هلال يواجه الجزائر بالنقط والتاريخ والجغرافيا: الحكم الذاتي في قلب المعركة الدبلوماسية.

ادارة النشر15 أكتوبر 2026آخر تحديث :
مناظرة الصحراء المغربية بالأمم المتحدة.. عمر هلال يواجه الجزائر بالنقط والتاريخ والجغرافيا: الحكم الذاتي في قلب المعركة الدبلوماسية.
بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي
حين نضع مداخلتي ممثل الجزائر وممثل المغرب عمر هلال أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في سياقهما الكامل، فإننا لا نكون أمام خطابين منفصلين، بل أمام مناظرة دبلوماسية تتقاطع فيها الحجج وتتصادم فيها القراءات السياسية والقانونية. فممثل الجزائر عاد إلى خطاب تصفية الاستعمار وتقرير المصير، محذرا مما اعتبره محاولة لفرض حل سياسي، بينما أعاد عمر هلال النقاش إلى قرار مجلس الأمن 2797، والوقائع التاريخية والجغرافية، ومسؤولية الأطراف عن إنهاء نزاع طال أمده.
وبين المداخلتين، يبرز سؤال جوهري: هل ما زالت العودة إلى الشعارات التقليدية كافية للتعامل مع التحولات التي عرفها الملف، أم أن المرحلة تفرض قراءة جديدة للواقع الأممي والسياسي؟
من تصفية الاستعمار إلى القرار 2797.. أين يكمن جوهر الخلاف؟
بدأ ممثل الجزائر مداخلته باستحضار القرارين 1514 و1541، مؤكدا أن تقرير المصير حق للشعوب، ورافضا ما وصفه بفرض الوضع الراهن على الصحراويين. كما ربط المستجدات السياسية بما اعتبره صفقة على حساب الفلسطينيين والصحراويين.
في المقابل، واجه عمر هلال هذا الطرح بالعودة إلى قرار مجلس الأمن 2797، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات، في إطار السعي إلى حل سياسي نهائي ومقبول للطرفين.
وهنا تظهر نقطة الخلاف الأساسية: الطرفان يتحدثان عن حل سياسي، لكنهما يختلفان في المرجعية التي ينبغي أن تقود إليه. فالجزائر تتمسك بقراءتها لتقرير المصير، بينما يعتبر المغرب أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل أساس التسوية التي يدافع عنها.
لذلك، لا يتعلق السؤال فقط بمن يرفع شعار تقرير المصير، بل بكيفية تحويل المواقف المعلنة إلى حل عملي ينهي النزاع. فالاحتكام إلى القانون الدولي يقتضي أيضا التعامل مع القرارات الأممية ومسار المفاوضات، لا الاكتفاء باستحضار النصوص التي تخدم قراءة طرف دون آخر.
عمر هلال يرد بقوة على الجزائر: الصحراء عادت إلى وطنها الأم منذ نصف قرن.. ومجلس الأمن قبر الاستفتاء نهائيا
استحضر عمر هلال المسيرة الخضراء واتفاق مدريد والروابط التاريخية التي يستند إليها المغرب في دفاعه عن وحدته الترابية، مؤكدا أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل جوهر المقاربة المغربية للتسوية.
ويستند المغرب في هذا الطرح إلى عودة الأقاليم الجنوبية إلى إدارته سنة 1975، وإلى ما يعتبره امتدادا لروابطه التاريخية بالصحراء. غير أن التمييز يظل ضروريا بين الموقف المغربي من هذه الروابط وبين المسار الأممي لتسوية النزاع، الذي يرتبط بقرارات مجلس الأمن والمفاوضات بين الأطراف المعنية.
أما بخصوص الاستفتاء، فقد شدد عمر هلال على أن قرارات مجلس الأمن خلال السنوات الماضية اتجهت إلى دعم الحل السياسي، ولم تعد تجعل الاستفتاء محور المسار الحالي كما كان في مراحل سابقة. ويعزز القرار 2797 موقع مقترح الحكم الذاتي المغربي في المفاوضات، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل نهائي ومقبول للطرفين.
وعليه، فإن عبارة «مجلس الأمن قبر الاستفتاء نهائيا» تعكس قراءة سياسية للتحول الذي عرفه المسار الأممي، وليست إعلانا قانونيا صريحا بانتهاء كل نقاش بشأنه. وتتمثل الرسالة المغربية في أن المرحلة الحالية تفرض استثمار المسار التفاوضي من أجل إنهاء نزاع استنزف المنطقة لعقود.
حين قال ممثل الجزائر إن حتى مجلس الأمن لا يملك منح السيادة
من أبرز النقاط التي أثارت الانتباه في المداخلة الجزائرية تأكيد ممثل الجزائر أن لا أحد، حتى مجلس الأمن، يملك منح السيادة على الإقليم، معتبرا أن الصحراويين وحدهم أصحاب الحق في تقرير مصيرهم.
وهذه نقطة تستحق الوقوف عندها، لأن قرار مجلس الأمن 2797 لا يقدم نفسه باعتباره قرارا ينقل السيادة من طرف إلى آخر، وإنما يرسم إطارا أمميا للمفاوضات، ويضع الحكم الذاتي المغربي في صلبها، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول للطرفين.
وهنا يتضح جوهر الرد المغربي: لا يتعلق الأمر بمطالبة مجلس الأمن بمنح السيادة، وإنما بالاحتكام إلى المسار السياسي الذي يدعمه المجلس، وبحث إمكانية إنهاء النزاع من خلال الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
فالخلط بين دور مجلس الأمن في توجيه العملية السياسية ومسألة السيادة لا يحسم الخلاف القانوني، كما أن تكرار شعار تقرير المصير لا يقدم وحده جوابا عن كيفية تنفيذ حل واقعي. ولهذا ظل القرار 2797 محوريا في المناظرة، لا مجرد تفصيل عابر في مداخلتي الطرفين.
الجزائر.. مراقب أم طرف معني بالتسوية؟
قدم ممثل الجزائر بلاده، إلى جانب موريتانيا، باعتبارهما دولتين جارتين شاركتا بصفة مراقب، مؤكدا حرصهما على السلام والاستقرار. لكن الموقف المغربي ينظر إلى الجزائر باعتبارها طرفا أساسيا في النزاع الإقليمي، بالنظر إلى دعمها السياسي والدبلوماسي لجبهة البوليساريو واحتضان مخيمات تندوف على أراضيها.
وهنا يبرز التباين بين تأكيد الجزائر أنها ليست طرفا في النزاع، وحضورها المباشر في النقاش السياسي والدبلوماسي المتعلق بمستقبله. ومهما اختلفت التسميات، فإن نجاح أي مسار تفاوضي يقتضي مشاركة الأطراف المعنية وتعاونها في تهيئة شروط التسوية.
والسؤال الأهم هو: ما الذي تستطيع الجزائر تقديمه عمليا لإنهاء النزاع، بدلا من الاكتفاء بإعادة عرض موقفها في كل اجتماع أممي؟
من هذا المنطلق، تبرز أهمية الدعوة إلى تنفيذ القرار 2797، والتفاوض بحسن نية، والوفاء بالالتزامات. فالمطلوب ليس تبادل التصريحات، بل ترجمة المواقف إلى خطوات سياسية ملموسة.
التاريخ والجغرافيا.. لماذا أعاد عمر هلال النقاش إلى جذوره؟
لم يقتصر الرد المغربي على الجوانب القانونية، بل أعاد عمر هلال استحضار التاريخ والجغرافيا والمسيرة الخضراء واتفاق مدريد، في سياق الدفاع عن الوحدة الترابية والتأكيد على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره أساس التسوية.
إن استحضار التاريخ والجغرافيا ليس بديلا عن المرجعية الأممية، لكنه يفسر الخلفية التي ينطلق منها الموقف المغربي. وفي المقابل، لا يكفي استدعاء تاريخ تصفية الاستعمار وحده لحسم الخلاف السياسي القائم اليوم، إذ ينبغي قراءة المستجدات في ضوء قرارات مجلس الأمن وما تتيحه المفاوضات.
وقد اكتسبت إشارة الملك محمد السادس إلى يوم 31 أكتوبر باعتباره فاصلا بين مرحلتين أهمية خاصة في الخطاب المغربي، لأنها تعكس الرهان على الانتقال من إدارة النزاع إلى تسويته. ومن هنا، تكمن قوة المرافعة المغربية في الجمع بين المرجعية التاريخية والتمسك بالوحدة الترابية، وبين استثمار التحول الذي يمثله القرار 2797.
من يمثل الصحراويين؟ سؤال التمثيلية الذي لا يحسمه تكرار الشعارات
أكد ممثل الجزائر أن الصحراويين وحدهم يملكون حق تقرير مصيرهم، وأنه لا يجوز فرض حل عليهم. لكن هذا الطرح يفتح نقاشا حول التمثيلية السياسية وآليات التعبير عن إرادة السكان.
في المقابل، استحضر عمر هلال الانتخابات التي تشهدها الأقاليم الجنوبية ومشاركة السكان في المؤسسات المنتخبة، دفاعا عن الموقف المغربي القائل إن التمثيل السياسي لا ينبغي أن يكون حكرا على جهة واحدة.
ويظل الخلاف قائما بين تصور جزائري يدعم المسار الذي تطالب به جبهة البوليساريو، ومقاربة مغربية تعتبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية إطارا لتدبير الشؤون المحلية. غير أن القرار 2797 يدفع النقاش نحو المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي، دون أن يعني ذلك إعلان انتهاء النزاع أو الاستغناء عن التوافق المطلوب.
وهنا تكمن أهمية الانتقال من الجدل النظري إلى البحث عن تسوية قابلة للتطبيق، تحفظ كرامة السكان وتضع حدا لحالة الانتظار.
مخيمات تندوف.. عندما تصبح المعاناة الإنسانية عنوانا للمساءلة
تحدث ممثل الجزائر عن تراجع المساعدات الإنسانية، داعيا إلى حماية اللاجئين من التسييس والابتزاز، ومؤكدا ضرورة وصول المساعدات إلى مستحقيها. أما عمر هلال، فركز على الأجيال التي لا تزال تعيش في مخيمات تندوف، محذرا من استمرار الأزمة إلى جيل جديد، ومشددا على ضرورة توفير حل دائم يحترم حقوق السكان واختياراتهم الحرة.
وهنا تتقاطع المداخلتان حول الاعتراف بالمعاناة الإنسانية، لكنهما تختلفان في زاوية المعالجة. فالجزائر تدعو إلى استمرار المساعدة إلى حين الحل، بينما يركز المغرب على أن المساعدات، مهما كانت ضرورية، لا يمكن أن تصبح بديلا عن إنهاء أسباب النزاع.
ومن حق سكان المخيمات أن يعيشوا بكرامة، وأن تتوفر لهم ظروف إنسانية تحفظ حقوقهم، بعيدا عن الضغوط والحسابات السياسية. كما أن معالجة أوضاعهم ينبغي أن تقترن بمسار سياسي جاد يفتح أمامهم أفقا واضحا.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان الجميع يعلن الدفاع عن الصحراويين، فما الذي يمنع تحويل هذا الالتزام إلى خطوات عملية تنهي معاناتهم؟ إن إنهاء النزاع يقتضي تجاوز تبادل الاتهامات والانتقال إلى البحث عن تسوية دائمة.
وهنا تكشف المداخلتان أن الخلاف لم يعد محصورا في استحضار المرجعيات التاريخية والقانونية، بل أصبح مرتبطا بكيفية التعامل مع القرار 2797، وبمدى استعداد الأطراف للمشاركة في تسوية سياسية تنهي النزاع.
لقد أعاد عمر هلال النقاش إلى الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وإلى مسؤولية الأطراف، وإلى الكلفة الإنسانية لاستمرار الوضع القائم. وفي المقابل، يظل السؤال مطروحا بشأن كيفية انسجام الموقف الجزائري مع المسار التفاوضي الذي يدعمه مجلس الأمن، وما يمكن أن تقدمه الجزائر عمليا لإنهاء الأزمة.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن الرسالة واضحة: الحكم الذاتي هو المقترح الذي يدافع عنه باعتباره أساس الحل، ولا ينبغي أن تتحول المفاوضات إلى وسيلة لإطالة الانتظار. فالأرض والإنسان والمستقبل المغاربي تستحق أن تتقدم على حسابات الصراع.
لقد طال النزاع بما يكفي، وحان وقت تحويل الخطاب الدبلوماسي إلى حل سياسي يضع حدا للمعاناة، ويفتح صفحة جديدة من الاستقرار والتعاون في المنطقة.
#الصحراء_المغربية #عمر_هلال #المغرب #الجزائر #الأمم_المتحدة #مجلس_الأمن #القرار_2797 #الحكم_الذاتي #الوحدة_الترابية #مخيمات_تندوف #الدبلوماسية_المغربية #تقرير_المصير
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة