بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي – استوقفتني في الخطاب الملكي عبارة استحضر فيها الملك محمد السادس ما قاله سنة 2014: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي»، مضيفا أن هذا الإحساس لا تزيده السنوات إلا قوة ورسوخا. لم أتوقف عند العبارة باعتبارها تعبيرا عن الاعتزاز بالهوية فحسب، بل حاولت قراءتها في سياق الرسائل التي وجهها الملك بشأن مكانة المغرب الدولية، وعلاقاته بشركائه، وحدود التعاون حين تتعارض الالتزامات مع المصالح الوطنية. فالاعتزاز بالمغربية، كما يوضح الخطاب، ليس تباهيا ولا رضى عن النفس، وإنما حافز يحول الانتماء إلى مسؤولية والثقة إلى واجب وطني. ومن هنا، فإن المغرب الذي يعتز بهويته ومكانته لا يرى في الانفتاح على شركائه تنازلا عن إرادته، ولا في الوفاء بالتزاماته قبولا بتحمل أعباء غير متكافئة. ولعل هذه الفكرة هي المدخل الأهم لفهم ما جاء في الخطاب بشأن الهجرة والعلاقات مع إسبانيا. لقد أكد الملك أن المغرب رسخ مكانته الدولية باعتباره شريكا مسؤولا وموثوقا، يحرص على تنفيذ التزاماته وينتظر من شركائه التعامل بالمثل. ثم انتقل إلى تشخيص مباشر لواقع التعاون في مجال الهجرة، معتبرا أن النموذج الحالي أصبح متجاوزا، وأن الأزمات المتكررة خير دليل على ذلك. وهنا لا يتعلق الأمر بتراجع المغرب عن التزاماته، بل بالتنبيه إلى أن المقاربة التي لا تتطور مع تغير الظروف تفقد قدرتها على معالجة الأزمات. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي، يوجد في واجهة تدفقات الهجرة نحو أوروبا، ويتحمل أعباء أمنية وإنسانية واجتماعية، بينما تظل الظاهرة مرتبطة أيضا بأوضاع بلدان المنشأ، وبالاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، وبقدرة دول الاستقبال على تدبيرها. لذلك لا يمكن اختزال التعاون في مراقبة الحدود، ولا التعامل مع الهجرة باعتبارها مسؤولية مغربية خالصة، في حين أن نتائج هذا التعاون تخدم مصالح أطراف متعددة. وتكتسب الإشارة إلى إسبانيا أهمية خاصة، لأن الملك اعترف بالتطور الذي عرفته الشراكة بين البلدين في مجالات مختلفة، بما فيها محاربة الهجرة غير النظامية، قبل أن يشير إلى عراقيل قانونية وقرارات قضائية تعترض، بحسب الخطاب، ترحيل القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية. إن الجمع بين الاعتراف بما تحقق والتنبيه إلى ما يعترضه من صعوبات يحمل دلالة مهمة: فالعلاقات الجيدة لا تعني أن جميع الملفات أصبحت خالية من الاختلالات، كما أن نجاح التعاون في مرحلة معينة لا يضمن استمراره بالآليات نفسها. والمطلوب هو الانتقال من تدبير الأزمات المتكررة إلى مراجعة قواعد الشراكة، مع مراعاة القوانين والحقوق وتوزيع المسؤوليات بصورة أكثر توازنا. ومن هنا تبرز العبارة الملكية الأكثر حسما: الشراكة «اختيار سيادي، والتزام إرادي»، ولن تكون أبدا موضوع ضغط أو تهديد أو ابتزاز. إنها ليست إعلانا عن القطيعة، بل تحديد لطبيعة العلاقة التي يريدها المغرب مع شركائه؛ علاقة تقوم على الاختيار الحر والالتزام المتبادل، لا على استغلال حاجة طرف إلى التعاون لفرض شروط عليه أو تحميله ما يفوق نصيبه من المسؤولية. وهذه الرسالة لا تخص إسبانيا وحدها، بل تتوجه إلى الشركاء عموما. كما أنها تضع بعض الأوساط السياسية والإعلامية أمام مسؤوليتها، بعدما أشار الخطاب إلى التصريحات اللامسؤولة والاستغلال المفضوح لبعض الملفات. فحين تتحول قضايا الهجرة إلى مادة للتراشق أو وسيلة لتصفية الحسابات الداخلية، يصبح النقاش الإعلامي جزءا من المشكلة بدل أن يساعد على حلها. ولا يعني ذلك أن الاختلاف أو النقد غير مشروع، بل إن الخلاف بين الدول ينبغي أن يدار بالوضوح والحوار واحترام الالتزامات، لا بالمغالطات والضغط الظرفي. أما سبتة ومليلية، فلهما مكانتهما في الخلفية التاريخية والسياسية للعلاقات المغربية الإسبانية، لكن الخطاب لم يذكرهما بالاسم، ولا يصح أن ننسب إليه موقفا مباشرا بشأنهما لم يعلنه. ومع ذلك، فإن التأكيد على الاختيار السيادي يذكرنا بأن التعاون مع الجوار لا يلغي المصالح الوطنية ولا يحولها إلى موضوع للمساومة. فالانفتاح على الشراكة شيء، والتنازل عن حق الدولة في تحديد مواقفها وخياراتها شيء آخر. واللافت أن الخطاب لم يقف عند حدود تشخيص الاختلالات، بل أعلن أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وهذه الإشارة تنقل الرسالة من الاعتراض على النموذج القائم إلى البحث عن بديل له؛ بديل لا يحصر العلاقات في التعاون الأمني، بل يربطها بالاستثمار والتنمية والمصالح الاقتصادية المشتركة، ويجعل الاستقرار الإقليمي مسؤولية جماعية لا عبئا يتحمله طرف بمفرده. وهنا أعود إلى عبارة الاعتزاز بالمغربية. فالمعنى الذي أستخلصه من ترابط هذه الرسائل أن الثقة في الهوية ينبغي أن تنعكس على الثقة في القرار الوطني، وأن الشريك الذي يفي بالتزاماته من حقه أن ينتظر المعاملة بالمثل. لا المغرب يهدد بالقطيعة، ولا يرفض التعاون، لكنه يعلن أن استمرار الشراكات ونجاحها يقتضيان مراجعة الاختلالات، واحترام السيادة، والابتعاد عن توظيف الملفات المشتركة في الابتزاز السياسي أو التراشق الإعلامي. المغرب الذي يعتز بمغربيته لا يحتاج إلى الانغلاق ليحمي سيادته، ولا إلى التنازل ليبرهن على حسن شراكته. إنه يريد أن يكون شريكا يحظى بالاحترام، لا مجرد طرف يتحمل الأعباء؛ وأن يساهم في حماية الاستقرار، دون أن تصبح مسؤولياته مدخلا للضغط عليه. لهذا توقفت عند تلك العبارة الملكية. لأنها، في سياق الخطاب، تتجاوز الاعتزاز بالهوية إلى معنى أوسع: مغربية راسخة، وقرار سيادي مستقل، وشراكات لا تستقيم إلا بالاحترام المتبادل. أما السياسة والإعلام، فمسؤوليتهما أن يقرآ هذه الرسائل في سياقها، بعيدا عن المبالغة والمغالطات، لأن العلاقات المستدامة لا تبنى بالتراشق، بل بتوازن المصالح ووضوح الالتزامات.