الحصاد 24

ليست مجرد لعبة… بل راية وطن ترفرف بين الأمم

alt=
ادريس طيطي – مجرد راي –
هناك من ينظر إلى كرة القدم باعتبارها مجرد لعبة تنتهي بصافرة حكم، ومباراة لا تستحق كل ذلك الانفعال والاهتمام. لكن هذا الاختزال البسيط لا يلمس حقيقتها العميقة، ولا يرى ما تحمله من أبعاد تتجاوز المستطيل الأخضر.
نعم، كرة القدم لعبة، لكنها في زمننا هذا أصبحت لغة عالمية تتحدث بها الشعوب، ووسيلة قوية للتعريف بالأوطان، حتى إن دولا تنفق مليارات الدولارات من أجل أن تجعل اسمها حاضرا بين الأمم، بينما تستطيع كرة القدم أن تحقق جزءا كبيرا من ذلك في تسعين دقيقة فقط.
عندما يرتفع علم المغرب في المحافل الدولية، ويعزف النشيد الوطني أمام أنظار العالم، لا يعود الأمر مجرد مباراة. يصبح الأمر قصة وطن يعلن حضوره بين الأمم، ويقول للعالم: نحن هنا.
لقد رأينا ذلك في مونديال قطر 2022، عندما تحول المنتخب المغربي إلى ظاهرة عالمية، وأصبح اسم المغرب يتردد في كل القارات. صحيح أن المغرب لم يكن يوما بلدا مجهولا، فهو أرض التاريخ والحضارة والتنوع الثقافي، لكن ذلك الإنجاز الكروي جعل ملايين البشر يلتفتون إليه أكثر، ويبحثون عنه أكثر، ويتساءلون عنه أكثر. من هو هذا البلد الذي وصل إلى المربع الذهبي؟ كيف يعيش أهله؟ ما ثقافته؟ وما سر هذا الانتماء الذي أذهل العالم؟
لقد تحول الفضول إلى رغبة في المعرفة، وتحولت المعرفة إلى رغبة في الزيارة، وأصبح المغرب حاضرا في أحاديث الناس ووسائل الإعلام العالمية بشكل غير مسبوق. وهنا تتجلى قوة الرياضة حين تتحول إلى جسر يعبر فوق الحدود ويحمل صورة الوطن إلى أبعد نقطة في العالم.
ولهذا فإن اللاعب الذي يحمل قميص المنتخب لا يمثل نفسه فقط، بل يحمل وطنا بأكمله فوق كتفيه.
لقد رأينا يونس العيناوي بالأمس في مباراة المنتخب المغربي أمام المنتخب الاسكتلندي. رأيناه يلقي بجسده لصد هجمة قوية ، رأيناه يرتمي ، ورأينا كيف أصيب والدم يسيل من فمه ، لكنه لم يتراجع ولم يطلب الراحة، بل واصل اللعب متحديا الألم، وكأنه محارب في ساحة الوغى لا لاعب في مباراة كرة قدم.
وقبل ذلك رأيناه يواصل اللعب وهو ينزف بعد الإصابة في رأسه، كما رأينا غيره من أسود الأطلس في قطر، يقدمون دروسا في التضحية والانتماء. كانوا يقاتلون حتى آخر قطرة عرق، وحتى آخر ذرة من الجهد، لأنهم كانوا يدركون أن خلفهم شعبا بأكمله يحلم ويرجو ويفتخر.
هناك لحظات يتجاوز فيها المعنى حدود اللعبة، حين يتحول الركض فوق العشب إلى رسالة، وحين يصبح الألم جزءا من واجب أكبر من الذات.
ذلك الإصرار الذي يلمع في العيون، وذلك التحدي الذي ينتصر على الألم، وذلك الإيمان الذي يدفع اللاعب إلى الوقوف من جديد بعد كل سقوط، ليست كلها من أجل نقطة أو فوز عابر، بل من أجل راية ترفرف عاليا، ومن أجل نشيد يصدح بين الأمم، ومن أجل اسم وطن يتردد بفخر على ألسنة العالم.
عندها فقط نفهم أن ما يحدث داخل المستطيل الأخضر أكبر بكثير مما يراه البعض من مدرجات التفكير الضيقة.
ومن أجل ذلك يرفرف العلم عاليا بين الأمم.
ومن أجل ذلك يصدح النشيد الوطني في الملاعب العالمية.
ومن أجل ذلك يسمع الأجنبي اسم المغرب فيسأل: من هؤلاء المغاربة؟
ومن أجل ذلك تفتح أبواب المعرفة والاحترام والإعجاب ببلد عريق جميل اسمه المغرب.
ولذلك فإن الذين يسخرون من قيمة الرياضة لا يدركون أن كرة القدم أصبحت اليوم قوة ناعمة مؤثرة اقتصاديا وسياحيا وثقافيا وحتى سياسيا. فكم من دولة صنعت جزءا من حضورها العالمي عبر الرياضة؟ وكم من بلد أصبح اسمه مألوفا في العالم بفضل إنجازات أبنائه داخل الملاعب؟
يكفي أن ننظر إلى البرازيل، حيث ارتبط اسمها في أذهان الملايين بكرة القدم، وإلى إسبانيا وغيرها من الدول التي استفادت من الرياضة في تعزيز صورتها الدولية وجاذبيتها الاقتصادية والسياحية.
فخدمة الوطن لا تكون فقط في الجبهات والإدارات والمؤسسات. هناك من يخدمه بالقلم، وهناك من يخدمه بالعلم، وهناك من يخدمه بالاستثمار، وهناك من يخدمه داخل الملاعب وهو يرتدي قميص المنتخب ويقاتل من أجل أن يبقى العلم مرفوعا.
ولهذا أشعر بالفخر كلما رأيت الراية المغربية ترفرف عالية، وكلما سمعت النشيد الوطني يصدح في الأفق: “منبت الأحرار، مشرق الأنوار”. عندها ندرك أن ذكر الوطن بين الأمم ليس أمرا سهلا، وأن وراء كل لحظة فخر رجالا قدموا العرق والدموع والدم أحيانا من أجل أن يبقى اسم المغرب حاضرا ومشرفا.
فليست كرة القدم مجرد لعبة كما يظن البعض…
إنها في كثير من الأحيان راية وطن ترفرف بين الأمم، ووطن كامل يركض فوق المستطيل الأخضر
#الجامعة_الملكية_المغربية_لكرة_القدم
#كأس_العالم_أمريكا_2026
#المغرب
#أسود_الأطلس
#الفخر_الوطني
#كرة_القدم
#المنتخب_الوطني
#الوطن_أولا
#منبت_الأحرار
#مونديال_قطر_2022
#اسم_المغرب
Exit mobile version