إدريس طيطي
(الخيال الرابع)
لا نعلم ما تخبئه لنا الأقدار… نمشي في الحياة ونحن نظن أن دروبنا مرسومة بالمنطق، موجهة بالعقل، فإذا بنا نُفاجأ بأن خطواتنا تسير خلف نداء خفي… قد يكون حنينًا، أو ذكرى، أو حتى جرحًا لم يندمل بعد.
مدينتي الأولى ما زالت تسكنني… هناك لعبت طفولتي، وهناك تهجّيت أول الحروف، وهناك عرفت ملامح نفسي. هي مدينتي… لا تشبهها أخرى. عرفت فيها الفرح، والانكسار، واللهفة، والحلم… هي مرآتي القديمة التي كلما غبت عنها، شعرت بأنني غبت عن نفسي.
ومع ذلك، وجدت نفسي فجأة في مدينة أخرى… غريبة الملامح، صامتة، لا أعرف فيها أحدًا، ولا يعرفني فيها أحد. لكن شيئًا ما كان يجرّني من داخلي، كأنني أمشي داخل ظل قديم، أو فوق أثر لم يُمحَ بعد.
ما الذي جرّني إلى هذه المدينة؟
لم أكن أنوي زيارتها، ولم يكن لي فيها شأن… ورغم ذلك، كنت هناك، بين أزقتها، أتأمل الوجوه، وأتساءل ما الذي أتى بي إلى هذا الركن الغريب من العالم. كنت أشعر أنني أبحث عن شيء… أو عن أحد.
ثم… رأيتُها.
مرّت أمامي بخطى ثقيلة، بملامح متعبة، بجسد أنهكته الأيام. لكن شيئًا في وجهها… نظرة، زاوية فم، انحناءة كتف… أعاد إلي ذاكرتي دفعة واحدة.
إنها هي.
كانت فتاة حيّنا… تلك التي كنا نحبها جميعًا بصمت، دون أن نجرؤ على الاقتراب منها. كنت أنا واحدًا من أولئك الذين تمنّوا أن تلتفت إليهم، أن تكلّمهم، أن تقول فقط “مرحبًا”. كتبت لها رسائل لم أرسلها، واحتفظت بها في جيبي شهورًا… كنت أقرأها بصوت خافت لنفسي، وأرتجف من مجرد فكرة أن تعرف بما في قلبي.
لم تكن متكبرة، بل كانت حالمة… كأنها تنتظر شيئًا لا يشبهنا، لا يشبه حيّنا، ولا واقعنا. كانت ترتدي الاحتشام كما لو أنه درع، وكانت نظراتها البعيدة تقول لنا: “أنا لست من هنا… أنا هناك، في مكان لا ترونه.”
واليوم… لم يبقَ منها إلا ملامح باهتة، وشبح أنوثة ذبلت تحت وطأة الزمن.
أنا بدوري، لم أكن أعلم أين اختفت. كانت قد غابت عن الحي منذ سنوات، فجأة، دون وداع أو أثر، ولا أحد منّا كان يعرف عنها شيئًا… حتى والديها. لكن حين وجدت نفسي بهذه المدينة… وحين لمحتها في الشارع، لم أتردد… تبعتها.
تبعتها بخطى بطيئة، كأنني أطارد ظلًا من الماضي، لا أعرف إلى أين سيقودني. راقبتها من بعيد، ثم بدأت أتحرّى… وفي أحد المقاهي، دخلت في حديث عابر مع رجل يجلس قبالتي، استدرجته في الكلام، دون أن أُظهر له نيّتي… فحكى. حكى عنها دون أن يعرف من تكون أو من أين جاءت. قال إنها ظهرت منذ سنوات قليلة في هذا الحي، كانت جميلة، لافتة، ثم بدأت تذبل شيئًا فشيئًا. قال إن زبائنها كانوا كثرًا في البداية… لكنها ما إن لبثت، حتى بدأ جمالها يتلاشى. وقال أيضًا: “لا أحد يعرف اسمها الحقيقي… حتى اسمها تغيّر.”
وقتها، فهمت… كل شيء تغير، حتى هي. احتفظت بأسرارها، لكن ماضيها انكشف أمامي… تمامًا كما لو أن المدينة أخرجته من ذاكرتي القديمة، ووضعته أمامي حيًا، هشًا، مكسورًا.
عرفت أنها غادرت حيّنا فجأة، بلا وداع، بلا أثر. اختفاؤها كان صدمة، لم يترك وراءه إلا الأسى. أمها كانت تبكيها في صمت، وأبوها أنهكه الانتظار، ذابلًا كغصن يابس. عانا كلاهما كثيرًا… كانت صغيرة، في عمر لا يسمح لها أن تخوض هذه الحياة وحدها، ومع ذلك اختارت أو أُجبرت على الرحيل.
ضاعت تلك الجوهرة. وما إن ذاب أثرها في حرارة الزمن، حتى تجمدت ذكراها في برودة الحياة. إخوتها تفرقوا، كل طار ليبني عشه، ونسيت هي… كما تنسى صفحة ممزقة في كتاب قديم. ضاع كل شيء في صقيع ليل بلا نهاية.
جلست في المقهى، صامتًا… أراجع ما جرى، وأقلب وجهي بين الأمس واليوم. سألت نفسي: هل كنت أحبها؟ أم كنت أحب فكرتها؟ هل كانت تستحق أن تسكن هذا العمق بداخلي؟ أم كنت فقط شابًا يفتش عن وهم ليعطيه اسمًا رومانسيًا؟
ثم فهمت… هذا ما جرني إلى هذه المدينة. لم أكن أبحث عن مكان… بل عن نهاية سؤال قديم، عن خاتمة لحكاية لم تبدأ… عن رسالة ما زالت في جيب الطفولة، لم تفتح، ولم تقرأ، ولم ترد.
وهكذا، سجلت ليلة أخرى من ليالي الغريب في سلسلة ستيني في ليل المدينة. ليلة اختلط فيها الحنين بالخذلان، والدهشة بالخجل، والذاكرة بالحقيقة.
بعض الوجوه حين نلقاها بعد غياب، لا تعود كما كانت… لكننا نحن أيضا لا نعود كما كنا.
