إدريس طيطي وأنت تتابع ما ينشر في عدد من الصفحات والإعلام الجزائري، يتضح أن الأمر لم يعد مجرد نقاش رياضي عابر، بل سياسة قائمة بذاتها، تُستعمل فيها كرة القدم كأداة لإيهام الشعب الجزائري القابع داخل بلده، والذي لم تتح له في الغالب فرصة زيارة المغرب أو الاحتكاك المباشر بحقيقته، بأن المغرب هو العدو الدائم، في الداخل كما في الخارج، في السياسة كما في الرياضة، ويتم تلقينه هذه الفكرة بشكل ممنهج حتى تصبح أي نتيجة أو مسار كروي غير متوافق مع التمنيات دليلا على “مؤامرة” جديدة يُراد بها استهداف الجزائر وإقصاؤها. اليوم، ومع الحديث عن مواجهة الجزائر والكونغو، عاد الخطاب نفسه بقوة، وكأن الجزائر وحدها محور البطولة، وكأن المغرب لا يفكر إلا فيها، وأن كل ما يجري داخل كأس أمم إفريقيا خُطط له فقط لمنع الجزائر من المنافسة على اللقب، في حين أن الحقيقة التي يعرفها العالم كله هي أن المغرب، وإن كان منظمًا للبطولة، فهو لا يملك أي سلطة على قرارات الكاف أو الفيفا، ولا يتدخل في مسارات المنتخبات، ولا يختار خصومها، بل يتعامل مع نظام واضح ومعلن، شأنه شأن باقي المنتخبات، باعتباره مجرد طرف من أطراف المنافسة لا أكثر ولا أقل. غير أن هذه الحقيقة البسيطة لا تناسب خطابًا إعلاميًا مسخرًا لأجندة محددة، تحتاج دائمًا إلى عدو خارجي تُعلّق عليه الإخفاقات وتُصدَّر عبره الأزمات الداخلية، فيُقدَّم المغرب للشعب الجزائري، داخل البلاد وخارجها، باعتباره المتآمر الدائم، رغم أن كل ما يحدث في البطولة يخضع لقوانين تقنية صارمة يعرفها كل من له أدنى اطلاع على تنظيم المسابقات القارية والدولية. كأس أمم إفريقيا تضم أربعة وعشرين منتخبًا موزعين على ست مجموعات، ويتأهل منها الأول والثاني من كل مجموعة إضافة إلى أفضل أربعة منتخبات تحتل المركز الثالث، ثم تُرتّب هذه المنتخبات وفق عدد النقاط وفارق الأهداف وعدد الأهداف المسجلة ومعايير اللعب النظيف، وبعدها تُدرج في جدول مواجهات مُعدّ سلفًا قبل انطلاق البطولة، لا يترك مجالًا للاختيار ولا للانتقاء ولا للمجاملات، بحيث يواجه بعض المتصدرين أصحاب المركز الثالث، ويواجه آخرون وصيف مجموعة أخرى، وفق حسابات رياضية بحتة لا تعترف بالعواطف ولا بالخصومات المصطنعة. لكن حين يُراد تغييب الوعي، تتحول هذه القوانين الواضحة إلى “مؤامرة”، وتتحول الحسابات الرياضية إلى “استهداف”، ويُدفع بالشعب الجزائري إلى تصديق أن المغرب هو العدو الوحيد، وأنه يتحكم في الكاف والفيفا، في حين أن الواقع يكشف أن هذه السردية ليست سوى أداة سياسية وإعلامية لإبقاء الجماهير في حالة تعبئة وهمية، بدل مصارحتها بأن كرة القدم تُربح وتُخسر داخل الملعب، لا في الكواليس ولا عبر صناعة أعداء وهميين. وفي النهاية، لا المغرب منشغل بالجزائر كما يُراد تصويره، ولا البطولة تُدار بمنطق الانتقام، بل هناك نظام واحد يسري على الجميع، ومن يرفض الاعتراف به سيظل يرى في كل تعثر مؤامرة، وفي كل خصم عدوًا، بينما الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، وأكثر عدلًا مما يحاول هذا الخطاب تضليله: كرة القدم قانون، ومن لا يقبل بالقانون، سيظل أسير الوهم.