في الوقت الذي ترفع فيه وزارة التربية الوطنية شعارات إصلاح المنظومة التعليمية وتراهن على مشروع مدارس الريادة لتجويد التعلمات، تطفو على السطح من جديد أزمة الخصاص في الكتب المدرسية، لتضع تدبير هذا الورش أمام أسئلة محرجة لا يمكن القفز عليها أو التعامل معها بمنطق الصمت والتبرير.
هذه المرة، جاء التصعيد من داخل قطاع الكتاب نفسه، بعدما طالبت رابطة الكتبيين بالمغرب وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل بالتدخل العاجل وفتح تحقيق جدي وشامل للكشف عن الأسباب الحقيقية وراء استمرار النقص في عدد من المقررات الدراسية، وعلى رأسها الكتب المخصصة لمدارس الريادة.
إن الأمر لم يعد يتعلق بمجرد تأخر في التوزيع أو اختلال عابر في توفير بعض العناوين، بل بملف يمس صميم العملية التعليمية ويطرح علامات استفهام بشأن التخطيط المسبق، وتدبير حاجيات المؤسسات التعليمية، وآليات التنسيق بين مختلف المتدخلين في إنتاج وتوزيع الكتب المدرسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن الحديث عن مدرسة حديثة ومشروع إصلاحي طموح، بينما لا تزال بعض المقررات الدراسية تعرف خصاصاً يثير قلق المهنيين ويضع الأسر والتلاميذ أمام واقع لا ينسجم مع رهانات الإصلاح المعلنة؟
إن مدارس الريادة، التي تحظى بمكانة خاصة ضمن التصور الجديد لإصلاح التعليم، لا ينبغي أن تتحول إلى عنوان لانتظارات غير مكتملة، أو أن تجد نفسها أمام صعوبات مرتبطة بتوفير الوسائل الأساسية التي يفترض أن تكون متاحة قبل انطلاق العملية التعليمية.
والأخطر في هذا الملف أن استمرار الخصاص يطرح تساؤلات حول مدى نجاعة منظومة التوقعات والطلبيات والتوزيع، وحول المسؤوليات الملقاة على عاتق الجهات المعنية، خصوصاً أن أي تعثر في توفير الكتب ينعكس بصورة مباشرة على التلاميذ، ويضع المكتبات والمهنيين بدورهم أمام تداعيات مهنية وتجارية لا يتحملون بالضرورة مسؤوليتها.
ولذلك، لم تكتف الرابطة بإطلاق ناقوس الإنذار، بل طالبت بترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية في حق كل من يثبت إخلاله بالتزاماته، في خطوة تعيد إلى الواجهة مطلب ربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيداً عن منطق الإفلات من المساءلة أو الاكتفاء بتفسيرات عامة لا تجيب عن جوهر الأزمة.
إن الوزارة مطالبة اليوم بتقديم توضيحات واضحة للرأي العام، والكشف عن مكامن الخلل، وتحديد المسؤوليات، ووضع إجراءات عملية تضمن عدم تكرار هذه الاختلالات.
فإصلاح التعليم لا يبدأ بالشعارات ولا ينتهي بالبلاغات، بل يبدأ بتوفير أبسط شروط التعلم. والكتاب المدرسي ليس تفصيلا هامشيا في المدرسة وإنما حق أساسي للتلميذ وإلتزام لا يجوز التفريط فيه . فمن يتحمل مسؤولية استمرار هذا الخصاص ؟ ولماذا يجد التلميذ نفسه في مواجهة أزمة لا علاقة له بصناعة أسبابها ؟