ادريس طيطي لم يعد النقاش حول قضية الصحراء يقتصر على تفاصيل نزاع إقليمي بقدر ما أصبح يتعلق بكيفية انتصار منهج سياسي على آخر. فبينما اختار المغرب منذ سنوات طريق العمل الدبلوماسي الهادئ والترافع داخل المؤسسات الدولية، استمرت أطراف أخرى في تغذية خطاب التوتر وتبني منطق التصعيد الإعلامي والعسكري. واليوم، تتضح نتائج هذا الاختيار الاستراتيجي، حيث بدأت موازين الشرعية الدولية تميل بوضوح نحو المقاربة المغربية القائمة على الواقعية والاستقرار. المغرب لم يدخل سباق الشعارات، ولم يندفع نحو مغامرات غير محسوبة، بل ركز على بناء موقف دولي متماسك حول مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا سياسيا عمليا يحفظ السيادة ويضمن الاستقرار الإقليمي. وعلى امتداد سنوات، ظل يدافع عن هذا الطرح داخل الأمم المتحدة، ويؤكد أن الحل لا يمكن أن يكون إلا سياسيا ومتوافقا عليه، بعيدا عن منطق الحرب الباردة الذي استنزف المنطقة لعقود. في المقابل، تستمر الأخبار والبيانات التي تتحدث عن عمليات عسكرية تنسب لجبهة البوليساريو، وهي جماعة توجد فوق التراب الجزائري في مخيمات تندوف حيث تقدم رسميا باعتبارها مجموعة لاجئين. هذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة أمام الرأي العام الدولي حول كيفية الجمع بين صفة اللاجئ وممارسة نشاط عسكري، وكيف يمكن لدولة تعلن أنها ليست طرفا في النزاع أن تتحول أراضيها إلى فضاء تنطلق منه بيانات الحرب وخطابات التصعيد. فاستعمال أرض دولة لاستهداف دولة أخرى يتعارض مع قواعد حسن الجوار ومع مبادئ القانون الدولي التي تقوم على احترام السيادة وعدم تحويل الحدود إلى منصات صراع. ورغم هذه التناقضات، واصل المغرب العمل عبر القنوات الدبلوماسية، وفضل الترافع المؤسساتي بدل الانزلاق نحو التصعيد. فقد قدم الاحتجاجات اللازمة، ودافع عن موقفه في المحافل الدولية، واستمر في التذكير بأن المنطقة تحتاج إلى تعاون اقتصادي وأمني لا إلى استمرار النزاع. هذا النفس الطويل لم يكن ضعفا، بل كان رهانا على الزمن السياسي وعلى قوة الشرعية الدولية. وقبل أن تتبلور المواقف داخل مجلس الأمن، كانت مؤشرات التحول الدولي قد ظهرت على الأرض من خلال فتح عدد من الدول العربية والافريقية وحتى الامريكية لقنصليات لها في الاقاليم الجنوبية للمملكة، في خطوة اعتبرت اعترافا عمليا بواقع السيادة المغربية. هذا المسار الدبلوماسي المتدرج عكس نجاح الرباط في نقل الملف من دائرة الصراع الايديولوجي إلى دائرة الواقعية السياسية. ومع توالي القرارات الصادرة عن مجلس الامن التي كرست أولوية الحل السياسي الواقعي والقائم على مبادرة الحكم الذاتي، تأكد أن الرهان المغربي على الدبلوماسية لم يكن خيارا تكتيكيا مؤقتا، بل رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فقد أصبح واضحا أن المجتمع الدولي يتجه نحو دعم حل يحفظ الاستقرار ويضمن السيادة المغربية في إطار مقترح الحكم الذاتي، وهو ما يمثل تتويجا لمسار طويل من الصبر والعمل المتواصل. إن ما تحقق اليوم لا يمكن فصله عن سنوات من الترافع السياسي والاشتغال الهادئ داخل المؤسسات الدولية. فهو نتيجة نضال دبلوماسي راكم الثقة الدولية، ونجح في تحويل الموقف المغربي من مجرد طرح وطني إلى رؤية تحظى بدعم متزايد. وهذا التحول يؤكد أن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على الرد، بل بقدرتها على كسب الشرعية وبناء التحالفات وترسيخ الحق عبر القانون الدولي. وهكذا، فإن قراءة المشهد الحالي تقود إلى خلاصة واضحة: الدبلوماسية حين تقترن بالصبر والرؤية يمكن أن تهزم التهور، وأن الزمن السياسي قد ينحاز في النهاية لمن يراهن على الاستقرار بدل التصعيد. فالمنطقة المغاربية اليوم في حاجة إلى بناء المستقبل المشترك، لا إلى إعادة إنتاج صراعات الماضي، وحدودها ينبغي أن تكون جسورا للتعاون بين الشعوب، لا منصات للتوتر أو الحروب بالوكالة.