رسالة إلى رئيسة الحكومة: تجربة القنيطرة تختزل تراجع العمل الجمعوي بالمغرب.

ادارة النشرمنذ 51 دقيقةآخر تحديث :
رسالة إلى رئيسة الحكومة: تجربة القنيطرة تختزل تراجع العمل الجمعوي بالمغرب.
بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي –
وأمام الوضع الهش الذي وصل إليه الجسم الجمعوي بمدينة القنيطرة، وما يعيشه عدد من الفاعلين من تراجع في الحضور وضعف في الإمكانات وفقدان للحماس، أجد نفسي مدفوعا إلى استحضار تجربة عشت تفاصيلها بصفتي فاعلا جمعويا وصحفيا، لا للحديث عن مسار شخصي، وإنما لنقل شهادة عن مشروع وطني كان يراهن على الجمعيات لتأطير المواطنين وتكوينهم وتربيتهم على قيم المواطنة والمسؤولية والمشاركة، قبل أن تبدأ ملامحه في التلاشي تدريجيا.
السيدة رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، هل تعرفين كيف كان العمل الجمعوي يشتغل في مرحلة سابقة؟ وكيف كانت مؤسسات الدولة تتعامل مع الفاعل الجمعوي باعتباره شريكا في التنمية، لا مجرد طرف يستدعى عند تنظيم الأنشطة والمناسبات؟ إن ما أرويه هنا ليس تصورا نظريا، بل تجربة ميدانية عشتها بالقنيطرة، وأعتقد أنها تفتح نافذة على واقع عرفته جمعيات وفاعلون في مدن وقرى أخرى من المملكة.
لقد شكل دستور 2011 منعطفا في توسيع أدوار المجتمع المدني وتعزيز الديمقراطية التشاركية. وواكبت هذه المرحلة دينامية مؤسساتية، كانت فيها قطاعات حكومية تتنافس، بشكل إيجابي في عدد من المجالات، على تكوين الفاعل الجمعوي وتقوية قدراته وتأهيله للقيام بأدواره. لم يكن الهدف مقتصرا على مساعدته في تنظيم الأنشطة، بل كان يراد له أن يصبح فاعلا مؤهلا، قادرا على الترافع، واقتراح المشاريع، وتأطير المواطنين، والمساهمة في التربية والتوعية وخدمة الصالح العام.
وزارة التضامن كانت تنظم تكوينات مرتبطة بقضايا الأسرة والتربية الوالدية والإدماج الاجتماعي، ووزارة التربية الوطنية أتاحت فرصا للتكوين والتعاون في مجالات تربوية، من بينها الإدماج المدرسي والتعليم الأولي. كما اضطلعت وزارة الشباب بأدوار في تأطير الجمعيات وتكوين أطرها ومواكبة مشاريعها، فيما ساهم القطاع المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني في تقوية قدرات الفاعلين في الحكامة والترافع والتواصل وتدبير المشاريع.
ولم تتوقف هذه الدينامية عند الوزارات، بل امتدت إلى العمالات والأقاليم، حيث كانت تنظم لقاءات واجتماعات ودورات تكوينية تمتد أحيانا لأشهر، إلى جانب التنسيق بين مختلف المتدخلين. وقد أتيحت للفاعلين الجمعويين فرص للاحتكاك بمؤسسات الدولة، وتبادل الخبرات، وفهم آليات التدبير المحلي، بما يساعدهم على تحمل المسؤولية والمشاركة الواعية في التنمية.
وكنا، كفاعلين جمعويين، نشارك في الاجتماعات ونقترح المشاريع ونناقش الأولويات ونعاين بعض المشاريع على أرض الواقع. ومن خلال عضويتي في هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بالقنيطرة، شاركنا في تتبع قضايا محلية وإبداء الملاحظات بشأن مشاريع لم تكن، في تقديرنا، تراعي بما يكفي معايير المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع. وكانت قيمة هذه التجربة تكمن في أن الفاعل الجمعوي لم يكن مجرد متفرج، بل طرفا يلاحظ ويناقش ويقترح ويساهم في تصحيح الاختلالات.
كما كنا منسقين في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ونقترح مشاريع تستهدف مجالات مصنفة ضمن مناطق الهشاشة والفقر، انطلاقا من معرفة ميدانية بحاجيات السكان وانتظاراتهم. وكان هذا النوع من التنسيق يتيح ربط المشاريع بالواقع، ويمنح الجمعيات فرصة المساهمة في تحديد الأولويات بدل الاكتفاء بتنفيذ مبادرات جاهزة.
وإلى جانب التكوين والمواكبة، كانت المجالس الجهوية والإقليمية والجماعات الترابية تساهم في دعم عدد من المشاريع الجمعوية، إلى جانب الوزارات والمؤسسات العمومية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية. وقد شكل هذا الدعم، متى ارتبط بالتأطير والتنسيق والتتبع، فرصة للجمعيات كي تنفذ برامجها في المجالات الاجتماعية والتربوية والثقافية والبيئية، وتوسع خدماتها لفائدة الأطفال والشباب والأسر والفئات الهشة.
هكذا كان يجري التعامل مع الفاعل الجمعوي في عدد من التجارب التي عشناها: شريك يقترح، ويشارك في الاجتماعات، ويعاين المشاريع، ويقدم الملاحظات، ويتلقى التكوين ليكون أكثر قدرة على أداء مهمته. لقد كان الرهان هو بناء فاعل جمعوي واع ومؤهل، يعرف كيف يدبر مشروعه، وكيف يترافع عن قضايا محيطه، وكيف يؤطر الأطفال والشباب، ويغرس فيهم معنى المسؤولية وحب الوطن باعتبارهما ممارسة وسلوكا يوميا، لا مجرد شعارات ترفع في المناسبات.
لكن هذا المشروع لم يستمر بالوتيرة نفسها. فمن خلال التجربة الميدانية، بدأت ملامح التراجع تظهر خلال السنتين الأخيرتين من الولاية الحكومية الثانية لعبد الإله بنكيران، قبل أن تتقلص الدينامية أكثر خلال السنوات اللاحقة، وصولا إلى مرحلة حكومة عزيز أخنوش، التي أعتبر أن المشروع خلالها انتهى عمليا إلى حالة من التلاشي شبه الكامل، على الأقل وفق ما عايناه في محيطنا الجمعوي بالقنيطرة.
إنها صورة موت تدريجي: تراجع في التكوينات، وضعف في التحسيس، وانحسار في لقاءات التنسيق والمواكبة، وتقلص في فرص المشاركة، إلى جانب تراجع الدعم الذي كانت تستفيد منه جمعيات عبر المجالس والمؤسسات المختلفة. ومع غياب الاستمرارية، لم يعد الأمر يتعلق فقط بتوقف بعض الأنشطة، بل بتراجع منظومة متكاملة كانت تعمل على إعداد الفاعل الجمعوي وتأهيله وربط جهوده بمؤسسات الدولة.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: ما الذي حدث؟ كيف انتقلنا من مرحلة كانت فيها قطاعات حكومية ومؤسسات ترابية تخصص برامج لتكوين الجمعيات وتقوية قدراتها، إلى واقع يشعر فيه عدد من الفاعلين بأنهم أصبحوا خارج دائرة الاهتمام؟ ولماذا تراجعت آليات التنسيق والشراكة، رغم أن القوانين والتوجهات الرسمية تؤكد أهمية المجتمع المدني ودوره في التنمية والديمقراطية التشاركية؟
إن الدعم المالي، على أهميته، ليس وحده ما تحتاج إليه الجمعيات. فقد كان التكوين والتحسيس والمواكبة والتنسيق والتمكين من الوسائل اللوجستيكية عناصر أساسية في بناء فاعل جمعوي قادر على العمل باستقلالية ومسؤولية. وحين تتراجع هذه العناصر مجتمعة، تصبح الجمعية مطالبة بتحقيق نتائج بإمكانات محدودة، ويجد الفاعل الذي استثمر سنوات من عمره في التطوع نفسه أمام أبواب تضيق تدريجيا، فيما تتبدد الخبرات التي كان يفترض نقلها إلى أجيال جديدة.
والأخطر من تراجع الجمعيات هو أثر هذا التراجع على الأجيال التي نشأت في ظله.
فالشباب الذين نراهم اليوم في الشارع، والذين أصبح بعضهم يعبر عن غضبه بطرق تثير القلق، كانوا أطفالا عندما بدأت دينامية العمل الجمعوي تتلاشى. كبروا في فترة تراجعت فيها، في عدد من المجالات، فرص التأطير والتربية المدنية والتوعية والمشاركة. ولم تتح لجزء منهم، بالقدر الكافي، تلك المساحات التي تساعد الطفل على فهم معنى المواطنة، وحقوقه وواجباته، ومعنى المسؤولية، وقيمة الاختلاف والحوار، وكيف يتحول حب الوطن من كلمة إلى واجب وسلوك.
ولا يمكن إغفال ما قد يكون لتراجع العمل الجمعوي من أثر في عزوف فئات من الشباب عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، في سياق تراجعت فيه الأدوار التي كانت تضطلع بها الجمعيات في توعيتهم بأهمية المشاركة وتحمل المسؤولية والانخراط في الحياة العامة.
لا يمكن تحميل تراجع العمل الجمعوي وحده مسؤولية ما يعرفه المجتمع من توترات، ولا اختزال أسباب احتجاج الشباب في عامل واحد؛ فهناك عوامل اجتماعية واقتصادية وتربوية متعددة. لكن من الخطأ أيضا الاستهانة بالدور الذي يؤديه التأطير المدني في بناء الوعي، وفي توفير قنوات للتعبير والمشاركة، وفي مساعدة الشباب على تحويل مطالبهم إلى مبادرات سلمية ومنظمة.
وعندما يضعف هذا التأطير، وتغيب فضاءات الحوار والمشاركة، تتسع المسافة بين بعض الشباب والمؤسسات، وقد يصبح الغضب أكثر عرضة للانفلات أو للاستغلال. وما شهدناه من احتجاجات شبابية، ومنها احتجاجات جيل Z، وما رافق بعض التحركات من تجاوزات أو تصريحات مسيئة، يستدعي قراءة تتجاوز الإدانة أو التبرير، نحو البحث في شروط التنشئة والتأطير والثقة والمشاركة التي ساهمت في تشكيل علاقة الشباب بالمجتمع والمؤسسات.
كما أن بعض التصريحات الصادمة التي تصدر عن شبان خلال محاولات الهجرة نحو سبتة ومليلية تطرح أسئلة مؤلمة حول صورة الوطن في وجدان بعض أبنائه، وحول ما إذا كانت المدرسة والأسرة والمجتمع المدني ومختلف المؤسسات قد نجحت في إيصال معنى الانتماء والمسؤولية والكرامة والمستقبل. ولا يعني ذلك أن كل شاب يعبر عن غضبه يفتقر إلى الوطنية، بل إن المطلوب هو فهم أسباب الإحباط، وبناء جسور الثقة، وتوفير التأطير الذي يجعل الاختلاف والاحتجاج تعبيرا مسؤولا عن المطالب.
لقد كان العمل الجمعوي، حين تتوفر له شروط الاستمرار، مجالا للتربية والتوجيه والتكوين، ووسيلة لاحتضان طاقات الأطفال والشباب وربطهم بمحيطهم. وكانت الجمعيات قادرة على الوصول إلى أحياء وفئات لا تصل إليها البرامج المؤسساتية بالسهولة نفسها، لأنها تعيش تفاصيل الواقع وتعرف حاجيات السكان. وعندما تتراجع هذه الأدوار، لا نخسر أنشطة موسمية فقط، بل نخسر جزءا من منظومة الوقاية والتوعية والتربية على المواطنة والمشاركة.
السيدة رئيسة الحكومة، إذا كنت أستحضر تجربة القنيطرة، فلأنني عشتها وشهدت تحولاتها، ولأن ما وقع فيها يطرح أسئلة تتجاوز حدود المدينة. فالمشروع الذي تحدثت عنه لم يكن، في جوهره، مشروعا محليا محصورا في القنيطرة، بل توجها عرفته مدن وقرى مختلفة من المملكة، بدرجات متفاوتة، وكان يرمي إلى جعل المجتمع المدني شريكا في التنمية وتأهيل الفاعلين للقيام بأدوارهم.
إن المطلوب اليوم ليس العودة إلى الماضي كما كان، ولا الدفاع عن حكومة سابقة أو إدانة أخرى دون تقييم موضوعي، بل فتح ورش جدي لتشخيص ما تراجع، ومعرفة أسباب تعثر البرامج، واستعادة ما أثبت جدواه. ويقتضي ذلك إعادة التكوين المستمر إلى صلب السياسات العمومية، وإحياء التنسيق بين الجمعيات والعمالات والقطاعات الحكومية والجماعات الترابية، وضمان شفافية الدعم وتكافؤ الفرص، وإشراك الفاعلين الميدانيين في اقتراح المشاريع وتتبعها وتقييم أثرها.
كما يتعين إعادة الاعتبار للتربية المدنية داخل الأحياء والمؤسسات التعليمية، وتقوية المبادرات التي تفتح أمام الأطفال والشباب فضاءات للتعلم والحوار والمشاركة، مع دعم الجمعيات الجادة وتأهيل أطرها وتجديد نخبها. فبناء المواطن المسؤول لا يتم في لحظة، بل هو مسار يحتاج إلى استمرارية وتكامل بين الأسرة والمدرسة والجمعية ومختلف المؤسسات.
السيدة رئيسة الحكومة، لقد عشنا مرحلة كان فيها الفاعل الجمعوي ينسق مع مؤسسات الدولة، ويقترح المشاريع، ويشارك في الاجتماعات، ويعاين الاختلالات، ويتلقى التكوين ليكون أكثر قدرة على خدمة وطنه. ثم رأينا هذا المشروع يتراجع تدريجيا، إلى أن تلاشت كثير من آلياته وممارساته. لذلك، فإن السؤال الذي نضعه أمامكم ليس مجرد سؤال عن ماضي العمل الجمعوي، بل عن مستقبله: هل ستعود دينامية التكوين والتأطير والشراكة، ويستعيد المجتمع المدني دوره في بناء المواطن وتأهيل الأجيال، أم يستمر هذا الموت التدريجي دون انتعاشة؟
إن إنقاذ العمل الجمعوي لا يكون بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار للفاعل الجمعوي، والاستماع إلى شهادات الميدان، وتقييم ما ضاع وما يمكن استعادته، وبناء شراكة حقيقية تجعل الجمعيات قادرة على أداء أدوارها في التربية والتأطير والتنمية. فالمجتمع المدني ليس بديلا عن الدولة، لكنه شريك أساسي في بناء الوطن، وإضعافه لا يعني فقط تراجع أنشطته، بل قد يعني ضياع إحدى الوسائل التي تساعد على إعداد مواطن يعرف حقوقه وواجباته، ويؤمن بأن حب الوطن مسؤولية وسلوك ومشاركة.
#العمل_الجمعوي #المجتمع_المدني #رئيسة_الحكومة #فاطمة_الزهراء_المنصوري #القنيطرة #التنمية_المحلية #الديمقراطية_التشاركية #تأطير_الشباب #عزوف_الشباب #المشاركة_الانتخابية #التربية_على_المواطنة #دعم_الجمعيات #الشراكة_المؤسساتية #المبادرة_الوطنية_للتنمية_البشرية #الحصاد24
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة