الحصاد 24

الضيف الغير المرغوب فيه… صوفيا نموذج

alt=

إدريس طيطي
اذا افترضنا فقط من باب التحليل ان ما تداولته بعض مواقع التواصل الاجتماعي حول رفض السلطات المغربية منح التاشيرة الالكترونية لصوفيا بلمان صحيح فان النقاش لا ينبغي ان ينحصر في شخص بعينه بل في طبيعة الخطاب الذي يحمله بعض صناع المحتوى حين ينتقلون من بلد الى اخر وفي مدى انسجامه مع روح التظاهرات الرياضية الكبرى.

كرة القدم في جوهرها ليست مجرد مباريات ولا مدرجات ممتلئة بل لحظة التقاء انساني ومساحة فرح مشتركة تذوب فيها الحدود وتقترب فيها الشعوب من بعضها البعض. هي مناسبة للضحك والمزاح والمنافسة الجميلة لا ساحة صراع ولا منصة شحن وكراهية. وما نشاهده في البطولات القارية والدولية يؤكد ذلك.

فالتحرشات اللفظية الخفيفة والمناوشات التي تقع بين الجماهير ليست استفزازا ولا اهانة بل جزء من خلق الحماس والاجواء الاحتفالية. راينا كيف يتبادل الجمهور المغربي والسعودي كلمات عفوية وضريفة وكيف يرد كل طرف على الاخر بروح رياضية تخلق الفرجة داخل المدرجات وخارجها. وراينا ايضا نفس المشهد بين المغرب والامارات وبين المغرب وسوريا وبين العراق والاردن وغيرها من المواجهات التي لم تخرج عن اطار الدعابة والتنافس الجميل.

هذه المناوشات ليست تغذية للكراهية بل وقود للفرح والحماس وهي ما يجعل المدرجات حية ويجعل الشوارع خارج الملاعب تعيش بدورها عرسا كرويا حقيقيا. كما نراه اليوم في قطر حيث لا يقتصر الفرح على داخل الملاعب بل يمتد الى الفضاءات العامة وتلتقي الشعوب وتضحك وتتعارف وتتصالح مع اختلافها.

هذا هو الهدف الحقيقي من كرة القدم وهذا هو المعنى الذي من اجله تنظم البطولات الكبرى.

غير ان هذا المعنى يفقد روحه حين يتحول الحضور الى بحث مقصود عن التفاصيل الهامشية ومحاولة تقديمها خارج سياقها من اجل خلق الجدل. فالضيف حين يدخل بلدا اخر لا يفتش في تفاصيل الحياة اليومية للناس ليحولها الى مادة اثارة بل يحترم الدار التي دخلها وينقل ما يعكس صورة متوازنة وعادلة.

وهنا يمكن استحضار تجربة ساحل العاج خلال تنظيمها لكاس امم افريقيا. فحين حضرت صوفيا بلمان هناك لم يكن الاشكال في وجودها بل في المنهج الذي اعتمدته. بدل التركيز على التنظيم المحكم والنجاح الذي حققته كوت ديفوار في احتضان حدث قاري كبير انصرفت الى تصوير جزيئات بسيطة من قبيل الاكل وبعض تفاصيل عيش الناس وقدمتها بطريقة اخرجتها من سياقها وفتحت باب التاويل والاساءة.

هذا السلوك اعتبرته السلطات الايفوارية خروجا عن اطار الضيافة واحترام روح التظاهرة لينتهي الامر بترحيلها قبل ان تكمل البطولة. وهو قرار لا يمكن فهمه الا في اطار حماية الفضاء العام وصورة بلد اختار ان يكون فضاء للفرح لا منصة للتشويه.

وانطلاقا من هذه التجربة فان اي قرار مشابه اذا كان صحيحا كما راج في بعض المنصات الاجتماعية يمكن قراءته في نفس السياق. فالدول التي تستعد لاحتضان تظاهرات كبرى لا تستقبل فقط جماهير ومنتخبات بل تستقبل ايضا خطابات ورسائل. ومن حقها بل من واجبها ان تحمي هذا الفضاء من كل ما قد يحوله من عرس كروي الى مجال توتر.

من هذا المنطلق وان صح الخبر المتداول فان المغرب يكون قد تصرف بحكمة وبمنطق وقائي لا اقصائي واضعا في الاعتبار معنى التلاقي بين الشعوب وحرصا على ان تظل كرة القدم لحظة فرح لا منصة فتنة وفضاء للتقارب لا ساحة للتشويه.
.

Exit mobile version