الصحراء المغربية والحياد الموريتاني.. إلى متى تستفيد نواكشوط من الرباط والجزائر معا؟

ادارة النشرمنذ 44 دقيقةآخر تحديث :
الصحراء المغربية والحياد الموريتاني.. إلى متى تستفيد نواكشوط من الرباط والجزائر معا؟
بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي –
في الوقت الذي تتسابق فيه دول من إفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا والعالم العربي إلى التعبير عن مواقف داعمة للمغرب، من خلال فتح قنصليات بالأقاليم الجنوبية أو مساندة مبادرة الحكم الذاتي، تواصل موريتانيا، الدولة الجارة التي تجمعها بالمملكة روابط تاريخية ومصالح اقتصادية وأمنية عميقة، التمسك بما تسميه «الحياد الإيجابي» في قضية الصحراء المغربية. وهنا يفرض السؤال نفسه: إلى متى سيظل هذا الحياد مقبولا من منظور المصالح المغربية، في وقت أصبحت فيه القضية الوطنية تعرف تحولات دبلوماسية متسارعة؟
لا يتعلق الأمر بمطالبة موريتانيا بالتخلي عن مصالحها أو الدخول في صراع مع أي طرف، بل بطرح سؤال مشروع حول طبيعة العلاقة بين الجارين: هل يستقيم أن تستفيد نواكشوط من المغرب والجزائر معا، بينما تظل مترددة في اتخاذ موقف أكثر وضوحا من قضية ترتبط مباشرة بأمن المنطقة واستقرارها ومستقبلها الاقتصادي؟
تجمع المغرب وموريتانيا مصالح اقتصادية وأمنية متشابكة؛ فالمغرب يزود السوق الموريتانية بمنتجات غذائية وفلاحية، ويشكل معبر الكركرات شريانا للتجارة نحو موريتانيا وغرب إفريقيا، فيما تمثل نواكشوط بوابة للمغرب نحو عمقه الإفريقي وشريكا في تأمين الحدود ومكافحة التهريب والجريمة العابرة للحدود.
وفي المقابل، تستفيد موريتانيا من تعاونها مع الجزائر في مجالات البنية التحتية والتجارة والطاقة، ومن أبرز المشاريع الطريق الرابط بين تندوف والزويرات. ومن حق نواكشوط تنويع شراكاتها، لكن الإشكال يطرح حين يصبح الحفاظ على المكاسب من الطرفين مبررا لاستمرار الغموض السياسي في قضية تمس الأمن الاستراتيجي للمغرب.
غير أن السؤال الأعمق الذي ينبغي أن تطرحه موريتانيا على نفسها هو: هل يمكن أن يستمر التوازن بين الرباط والجزائر إلى ما لا نهاية، في ظل تصاعد التوتر وتباعد الرؤى بشأن مستقبل المنطقة المغاربية؟ فالمصالح الاقتصادية لا تنفصل عن المواقف السياسية، والشراكة الحقيقية لا تقاس فقط بحجم المبادلات التجارية، بل كذلك بمدى وضوح الرؤية واحترام المصالح الاستراتيجية للشركاء.
ومن هنا، يصبح من الضروري أن تتأمل موريتانيا الطريق الذي اختارته الجزائر في تدبير خلافها مع المغرب. فالجزائر، في نظر منتقدي سياستها الإقليمية، تحاول محاكاة النموذج الإيراني في توسيع النفوذ عبر دعم أطراف وحركات خارج حدودها؛ فكما دعمت إيران حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، جعلت الجزائر من جبهة البوليساريو محور دعمها في نزاع الصحراء المغربية. كما أثيرت تقارير واتهامات بشأن وجود عناصر من البوليساريو ضمن المقاتلين الذين شاركوا في الحرب السورية إلى جانب قوات نظام بشار الأسد، وهي ادعاءات ينبغي التعامل معها في حدود ما تثبته المصادر الموثوقة.
والمغزى هنا ليس الخلط بين سياقات إقليمية مختلفة، بل التنبيه إلى مخاطر تحويل النزاعات إلى أدوات لتوسيع النفوذ وإدامة الصراعات، بدل توجيه الإمكانات نحو التنمية والاستقرار. فهل تستفيد موريتانيا من دروس هذا المسار، وتدرك أن أمن المنطقة لا يمكن أن يقوم على حسابات ظرفية، أم أن الحرص على موازنة علاقاتها سيجعلها تتجاهل التحولات التي تفرضها المرحلة؟
وفي الداخل الموريتاني، تثير بعض التصريحات والتحليلات الإعلامية التي تتناول المغرب وقضية الصحراء تساؤلات بشأن خلفياتها واتجاهاتها. ولا يصح تعميم الأحكام أو الجزم بالنوايا من دون أدلة، لكن من المشروع التساؤل عما إذا كان بعض الخطاب الإعلامي يستثمر الخلاف المغربي الجزائري لتحقيق مكاسب سياسية أو لإعادة إنتاج مواقف لا تساعد على بناء الثقة بين الجارين.
لقد أكد المغرب، في أكثر من مناسبة، أن قضية الصحراء المغربية ليست ملفا عاديا يمكن التعامل معه بمنظورين متناقضين، لأنها ترتبط بوحدته الترابية وأمنه الاستراتيجي. ومع اتساع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، لم يعد من الواقعي تجاهل التحولات الدبلوماسية التي تعرفها القضية، ولا الاستمرار في التعامل معها كما لو أن موازين المواقف الدولية لم تتغير.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه الرسالة إلى دعوة لقطع العلاقات مع موريتانيا أو دفعها إلى الاصطفاف ضد الجزائر. فالمغرب يدرك أهمية الاستقرار في جواره، ويملك من الروابط التاريخية والمصالح المشتركة مع موريتانيا ما يؤهله لبناء شراكة أكثر عمقا. لكن الحفاظ على هذه الشراكة يقتضي وضوحا أكبر، وتوازنا لا يجعل المصالح الاقتصادية منفصلة عن مقتضيات الثقة السياسية.
إن المطلوب من الرباط ليس التصعيد من أجل التصعيد، بل مراجعة طريقة تدبير العلاقة بما يضمن مصالح المغرب ويجعل الشراكة مع نواكشوط قائمة على الوضوح والتوازن والمصالح المتبادلة. فكما تحرص موريتانيا على تنويع علاقاتها، يحق للمغرب بدوره أن يقيم شراكاته وفق مبدأ المعاملة بالمثل، وأن يربط قوة التعاون بمدى احترام المصالح الحيوية للمملكة.
فإلى متى سيظل الحياد الإيجابي مكسبا لنواكشوط، بينما يرى المغرب أنه لم يعد يحقق التوازن المطلوب في قضية وحدته الترابية؟ لقد حان وقت مراجعة الحسابات، لا بمنطق الضغط أو الخصومة، بل بمنطق الواقعية السياسية: شراكة تقوم على المصالح الواضحة، وتنمية تخدم الشعبين، ومواقف مسؤولة تعزز الاستقرار بدل إطالة أمد الخلاف.
لأن الرهان الحقيقي ليس من يستطيع إطالة الصراع، بل من يملك الشجاعة السياسية للانتقال من منطق الخصومة إلى منطق التنمية، ومن حسابات اللحظة إلى مصالح الأجيال المقبلة.
#الصحراء_المغربية #المغرب_وموريتانيا #الحياد_الإيجابي #مبادرة_الحكم_الذاتي #العلاقات_المغاربية #الأمن_الإقليمي #إدريس_طيطي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة