الحصاد 24

التصريحات اللامسؤولة والاستغلال المفضوح.. هل التقطها الخارج، وهل يلتقطها الداخل؟

alt=
بقلم: إدريس طيطي – مجرد رأي –
حين تحدث جلالة الملك محمد السادس عن «التصريحات اللامسؤولة والاستغلال المفضوح لبعض الأوساط السياسية والإعلامية»، لم تكن العبارة عابرة أو سهلة التأويل، بل حملت دلالات تستحق التوقف عندها. فقد وردت في سياق العلاقات المغربية الإسبانية وما رافقها من تجاذبات وسجالات، لتطرح مسألة المسؤولية في الخطاب السياسي والإعلامي، وخطورة توظيف القضايا الحساسة في حسابات ضيقة. وقد استوقفتني هذه الإشارة وأنا أتأمل ما يمكن أن تثيره من نقاش في الأوساط الإعلامية الإسبانية، لكن ما أثار انتباهي أكثر هو ما تتيحه دلالاتها من فرصة للتأمل في واقعنا الداخلي أيضا.
فالخطاب الملكي، باعتباره مرجعا موجها للتوجهات الكبرى للدولة، يمكن استحضار دلالاته عند قراءة بعض ممارساتنا، من دون أن يعني ذلك أن العبارة كانت موجهة إلى السياسيين والإعلاميين المغاربة؛ فسياقها يتعلق بالخارج. ومن هنا يبرز سؤالي: إذا كنا نرفض التصريحات اللامسؤولة والاستغلال المفضوح عندما يصدران عن أوساط خارجية، أفلا يجدر بنا أن نراجع بعض ما يجري داخل ساحاتنا السياسية والإعلامية؟
لعل الحملات الانتخابية الأخيرة تقدم مثالا يستحق التأمل. فقد تابع المغاربة تراشقا بين بعض الأحزاب والفاعلين السياسيين، وتبادلا لاتهامات ثقيلة وطرحا لما قدم باعتباره ملفات وفضائح، حتى بدا في بعض المحطات أن إحراج الخصم أصبح أهم من عرض البرامج والبدائل. وتراجع بذلك النقاش حول قضايا المواطنين، من الشغل والصحة والتعليم إلى القدرة الشرائية وظروف العيش. ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى التستر على الفساد أو إسكات النقد، فالمحاسبة ضرورة ديمقراطية، لكن الفرق كبير بين كشف الاختلالات بأدلة ومعطيات موثوقة، وتوظيف الاتهامات في معارك حزبية قد تنتهي بانتهاء الحملة، بينما تظل الحقيقة معلقة. فالمواطن لا يحتاج إلى تبادل الاتهامات بقدر ما يحتاج إلى معرفة الوقائع، ومحاسبة المسؤولين، والاطلاع على برامج قابلة للتنفيذ.
أما الإعلام، فمسؤوليته لا تقل أهمية، لأنه لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يساهم في تشكيل فهم الجمهور لها. ومن حقه أن ينتقد ويسائل ويكشف الاختلالات، غير أن ذلك يقتضي التمييز بين الوقائع والتأويلات، وبين التحليل المستند إلى معطيات دقيقة والمغالطات التي تقدم في صورة حقائق. وقد لفت انتباهي أن بعض التحليلات المتعلقة بقضايا المغرب المصيرية، ولا سيما الوحدة الترابية، تطرح أحيانا خلاصات تثير التساؤل حول مدى دقة معطياتها وفهمها للسياقات السياسية والدبلوماسية. فهل تحظى هذه المضامين بما يكفي من التدقيق، أم تتقدم الرغبة في الإثارة واستقطاب المتابعين على واجب التحقق؟
وتكمن حساسية الأمر في أن ما ينشر داخليا قد يتجاوز جمهوره الأصلي، فيقتطع من سياقه أو يعاد توظيفه في سجالات خارجية، بما قد يخدم روايات خصوم المغرب، حتى من دون أن يكون ذلك مقصودا من صاحب التحليل. لكن هذا الاحتمال لا يبرر اتهام أصحاب الآراء جزافا، ولا يجعل كل اختلاف مع المواقف الرسمية إساءة إلى الوطن؛ بل يفرض الاحتكام إلى الوقائع والمصادر وقواعد المهنة. فليس كل خطاب حاد دليلا على الشجاعة، كما أن النقد المسؤول لا يعني تجميل الواقع أو إخفاء نقائصه. المطلوب إعلام مستقل يمارس دوره الرقابي، لكنه لا يقدم التأويل باعتباره حقيقة محسومة، ولا يجعل الإثارة بديلا عن التحقق.
ومن هذه الزاوية، أرى أن العبارة الملكية تفتح بابا لمراجعة الذات، لا باعتبارها اتهاما مباشرا لحزب أو منبر بعينه، وإنما من خلال مبدأ ينبغي أن يسري على الجميع. فلا يستقيم أن نطالب الأوساط الخارجية باحترام الحقيقة وعدم استغلال الخلافات، ثم نتسامح مع الممارسات نفسها عندما تصدر من الداخل. كما أن المصلحة الوطنية لا تعني الاتفاق الدائم مع المؤسسات أو المسؤولين، بل تقتضي اختلافا مسؤولا، ومنافسة سياسية بالبرامج والحجج، وإعلاما يضع الحقيقة في صلب عمله، واتهامات جدية تسلك طريق المؤسسات المختصة.
في النهاية، قد تكون العبارة الملكية قد وردت في سياق خارجي محدد، لكنني أجد في دلالاتها سؤالا يستحق أن نطرحه على أنفسنا: هل نلتزم داخليا بالمعايير التي نطالب الآخرين باحترامها؟ ذلك هو جوهر قراءتي الشخصية، من دون أن أنسب إلى الخطاب ما لم يقله. فالوطن أكبر من الحسابات الحزبية والإعلامية الضيقة، والمصلحة الوطنية لا تصان بإخفاء الاختلالات ولا باستغلالها، بل بكشفها بمسؤولية، ومعالجتها بالحجة والقانون، والاختلاف دون التضحية بالحقيقة.
#إدريس_طيطي #مجرد_رأي #الخطاب_الملكي #محمد_السادس #التصريحات_اللامسؤولة #الاستغلال_المفضوح #الإعلام_المغربي #المشهد_السياسي #الحملات_الانتخابية #حرية_التعبير #أخلاقيات_المهنة #المصلحة_الوطنية #المغرب #الحصاد24
Exit mobile version