الحصاد 24

حين يُلغي الملك عيد الأضحى… فهل نُراعي الحكمة ونتصرف بمسؤولية.

alt=

رئيس طيطي

حين أصدر صاحب الجلالة الملك محمد السادس قراره الحكيم بإلغاء الاحتفال بعيد الأضحى لهذه السنة، لم يكن الأمر مجرد إجراء عابر، بل موقف يحمل في طياته الكثير من المعاني الإنسانية والاجتماعية. قرار نابع من رؤية واقعية تراعي ظروف المواطنين، خاصة الفئات ذات الدخل المحدود، وتضع نصب أعينها الحفاظ على الثروة الحيوانية في ظل أزمة اقتصادية وجفاف وتحديات متزايدة.

لقد أراد الملك أن يخفف عن شعبه، أن يجنّبهم عبء مصاريف العيد التي قد تثقل كاهل الأسرة المغربية، فجاء قراره كرسالة رأفة وتضامن، يستحق أن يُقابل بالامتثال والتفهم، لا بالمراوغة والعناد.

لكن الغريب والمقلق، أن البعض اختار سلوكًا مخالفًا تمامًا لروح هذا القرار. رأينا من اشترى الأضاحي سرًا، وخزنها بعيدًا عن الأنظار، وكأن الأمر مجرد تحدٍّ أو استعراض. لماذا ننتظر دائمًا أن تتدخل السلطة لنلتزم؟ لماذا لا نستطيع أن نستوعب أن المصلحة العامة أحيانًا تتطلب منا أن نتخلى طواعية عن بعض العادات ولو مؤقتًا؟

ليس العيد مناسبة للتفاخر، ولا شراء الأضحية دليل إيمان أو مكانة اجتماعية. بل هو في جوهره تضامن وتكافل ورحمة. حين يُقرر الملك، أعلى سلطة في البلاد، إلغاء العيد مراعاةً للشعب، فمن المخجل أن يتجاهل البعض هذا القرار ويتصرف بأنانية. والأخطر أن نرى البعض يتحدث عن “القدرة على الشراء” وكأن القرار لا يعنيهم، وكأن التضامن اختيار لا التزام.

اليوم، في غياب العيد، تفاجأنا بارتفاع أسعار اللحوم إلى مستويات غير مسبوقة — 100 و120 درهم للكيلوغرام. فكيف يعقل أن ترتفع الأسعار بهذا الشكل ونحن في غياب موسم الذبح؟ هل الأمر يتعلق بتصرفات سرية، بذبح الأكباش في الخفاء؟ هل هناك من استغل هذا الوضع لخلق سوق سوداء واستنزاف القدرة الشرائية للناس؟ أسئلة كثيرة تطرح نفسها، وتكشف عن خلل عميق في سلوكنا الجمعي.

كان من المفروض أن نلتف جميعًا حول القرار، أن نجعل منه فرصة للتأمل، للتضامن الحقيقي، لا أن نحوله إلى مناسبة للمخالفات والمضاربات والخرق العلني للقانون.

إن ما حدث يُحزن ويُقلق. لأن المشكلة لم تكن في القرار، بل في غياب ثقافة الامتثال الطوعي، في ضعف الحس الجماعي، وفي تغليب المصلحة الفردية على المصلحة العامة.

لقد منحتنا الدولة، بقرار ملكي سامٍ، فرصة لمراجعة الذات، لنقف مع أنفسنا، نفكر في غيرنا، نراعي ظروف بعضنا البعض. فهل كان من الضروري أن نصل إلى مداهمات للمنازل لاستخراج الأكباش المخزنة؟ هل كان من الضروري أن نُظهر هذا القدر من العناد والتحدي؟ أين الحكمة؟ أين المسؤولية؟

ما نحتاجه اليوم ليس فقط قوانين صارمة، بل وعيًا جماعيًا يعترف بأن القرارات الوطنية ليست ضدنا، بل من أجلنا. وأن احترامها ليس ضعفًا بل وعي، وليس تراجعًا بل رُقي.

Exit mobile version