يوميات ستيني في ليل المدينة – قناص الحكايات

ادارة النشر13 أغسطس 2025آخر تحديث :
يوميات ستيني في ليل المدينة – قناص الحكايات

ادريس طيطي
– قناص الحكايات

لست ادري ما الذي جعلني اترك دفء البيت واخرج في هذا الليل المتاخر، في برد يلسع العظام… ما الذي جرني الى شوارع المدينة النائمة؟ اكنت ابحث عن هوى ضائع؟ ام عن قصة تختبئ خلف ظل عابر؟ ام انني كنت اهرب من نفسي لاجدها في وجوه الغرباء؟

الليل هنا ليس مجرد وقت… انه مزاج، وذاكرة، وشباك ممتدة على الارصفة، تصطاد المارة في لحظة ضعف.

كنت امشي، حين اعترض طريقي فتاة في عمر الزهور. نظرت الي بعينين تلمعان بما يشبه الفضول، وسالت: – «هل انت وحدك؟»

ابتسمت ابتسامة قصيرة: – «وماذا ترين؟»

قالت: – «وانا ايضا وحدي… هل تحتاج من يانسك؟»

سالتها، وانا ابحث عن صدى الحقيقة في صوتها: – «هل تبحثين عن المال… ام عن الرفقة؟»

اجابت بصراحة مشوبة بانكسار: – «اريدهما معا.»

مددت يدي الى جيبي، واخرجت ورقة نقدية من فئة عشرين درهما، وناولتها اياها. تاملتها باستنكار لطيف: – «وماذا افعل بهذه؟»

قلت: – «قد تشترين بها وجبة تسد الجوع.»

رفعت عينيها نحوي، وكانها تقول: “انت لا تفهم…” فقلت بهدوء: – «هذه ظروفي… وانت تعلمين.»

سالت بصوت خافت: – «يعني… لا شيء؟»

قلت لها: – «نظرتي اليك هي نظرة اب لابنته… فرق العمر بيننا لا يترك لي طريقا اخر للرؤية.»

تجمدت في مكانها لحظة، ثم قالت: – «الى اين تمضي؟»

قلت: – «لابحث عن وجبة بسيطة… اطفي بها برد الليل.»

قالت: – «انا ايضا جائعة… خذني معك.»

سرنا معا. حاولت ان تمسك بيدي، فتوقفت ونظرت اليها، فابتسمت وسحبت يدها بصمت.

دخلنا مطعما صغيرا. لم تكن الطاولات مكتظة، لكن العيون كانت اكثر من المقاعد… تلاحقنا النظرات، بعضها يقول: “انه اكبر من ابيها”، وبعضها يهمس: “انظروا الى الستيني”، وربما بينهم من يعرفها ويقرا الحكاية بطريقته.

جلسنا، وطلبت شاورما، فطلبت مثلها. بدات تاكل بجوع يخلط بين رغيف الخبز ورغيف الحياة… وانا اراقبها، رايت في عينيها ظل طفلة اعرفها، ربما من ماض بعيد او من مستقبل لم اعيشه بعد.

سالتني فجاة: – «ما مهنتك؟»

قلت: – «انا كاتب.»

قالت: – «تكتب شكاوى الناس؟»

ضحكت: – «احيانا… لكني اكتب قصصا.»

قالت: – «ومن اين تاتيك القصص؟»

قلت: – «من الناس.»

قالت: – «اظن ان الناس لا يقولون كل شيء…»

قلت: – «دائما هناك شيء لا يقال.»

بعد العشاء، اصرت ان تدفع، فرفضت، لكنها ابتسمت قائلة: – «وما العيب ان تدفع البنت عن ابيها؟»

ضحكت، وعرفت انها فهمت… فهمت انني لست زبونا عابرا ولا هدفا سهلا، بل رجلا مر بما يكفي من الحكايات ليقرا النوايا قبل ان تقال.

تركتها تمضي في ليلها، وانا امضي في ليلي… احمل حكاية اخرى، ربما لن اكتبها يوما، لكنها ستبقى مختبئة في دفتر الروح، بين ما حدث… وما لم يحدث.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة