ادريس طيطي – مجرد رأي – دعوني اولا ان اؤكد، قبل ان اسلط الضوء بالقراءة في ما قاله الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون امام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ان الكلمة هذه المرة بدت مختلفة تماما عن كثير من الكلمات والخطابات التي سبق ان استعرضها تبون امام بعض الرؤساء او داخل بعض المنابر التي كانت تفتح له المجال واسعا لكي يردد نفس الشعارات القديمة ويعيد نفس العبارات التي استهلكت سياسيا واعلاميا دون ان تحقق اي نتيجة تذكر سوى المزيد من استنزاف ثروات الشعب الجزائري في معارك لا تنفع المواطن الجزائري البسيط في شيء. فمن تابع كلمة تبون في انقرة سيلاحظ بسهولة ان الرجل كان حذرا في عباراته، دقيقا في اختياراته، متزنا في نبرته، وكأنه كان يدرك جيدا ان المكان الذي يتحدث منه ليس كغيره من الاماكن، وان الشخص الجالس الى جانبه ليس من نوعية الرؤساء الذين يسمحون بتحويل لقاءاتهم الرسمية الى منصات للخطابات الشعبوية او المزايدات السياسية او تصدير العداء المجاني نحو دول اخرى، وخاصة المغرب. لقد بدأ تبون كلمته بالشكر والامتنان لما لقيه هو والوفد المرافق له من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة التي تليق بالعلاقات بين الاشقاء، ثم تحدث عن العمق التاريخي الذي يربط الجزائر بتركيا وعن الارث الثقافي والحضاري المشترك، واشاد بالديناميكية التي تعرفها العلاقات الثنائية، معتبرا ان ما تحقق في ظرف قصير يدعو الى الارتياح ويفتح الباب امام شراكات اوسع في مجالات الطاقة والزراعة والصناعة والمناجم، كما عبر عن سعادته بنتائج اللقاءات التي توجت بالتوقيع على عدد من الاتفاقيات وبالدور الذي يلعبه منتدى رجال الاعمال في تعزيز الاستثمار ورفع المبادلات التجارية نحو عشرة ملايير دولار كما كان مبرمجا منذ سنوات. ثم انتقل تبون للحديث عن القضايا الاقليمية والدولية، فتطرق الى الاوضاع في فلسطين ولبنان والخليج وليبيا ومنطقة الساحل والقرن الافريقي، وتحدث عن ضرورة استباب الامن والسلام وتكثيف الجهود من اجل الحلول السلمية، كما ندد بالانتهاكات الاسرائيلية في غزة ولبنان وتحدث عن ضرورة اقامة الدولة الفلسطينية، وتطرق ايضا الى الوضع في الصومال وما وصفه بخرق سيادة اراضيه. كل هذا الكلام كان عاديا ومفهوما، فهذه ملفات يتحدث عنها الجميع، عربا واجانبا، ولا احد يرى فيها اي احراج دبلوماسي او سياسي بالنسبة لتركيا، لكن المثير في خطاب تبون لم يكن فيما قاله، بل فيما لم يقله، وهنا تبدأ القراءة السياسية الحقيقية التي تكشف ان الرجل كان هذه المرة مضطرا الى الالتزام بسقف معين لا يمكن تجاوزه وهو يتحدث من انقرة وفي حضرة اردوغان. فالجميع كان ينتظر ان يعيد تبون نفس الاسطوانة التي يكررها في كل مناسبة حين يتعلق الامر بقضية الصحراء، وان يستعمل العبارات المعتادة من قبيل “تقرير المصير” و”الاحتلال المغربي” و”تصفية الاستعمار”، لكنه لم يفعل، بل اكتفى بذكر قضية الصحراء الغربية بشكل عابر جدا دون الدخول في التفاصيل التي كان يتباهى بها امام بعض الرؤساء الصغار او داخل المنابر التي كانت تمنحه مساحة مفتوحة للكلام دون حسابات سياسية حقيقية. وهنا بالضبط يظهر الفرق بين انقرة وغيرها، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعرف جيدا اين توجد مصالح بلاده، ويعرف كيف يدير توازناته الدولية والاقليمية، ويدرك ان الدخول في عداء مجاني مع المغرب لا يخدم تركيا في شيء، خاصة وان العلاقات المغربية التركية قائمة على مصالح اقتصادية وتجارية واستراتيجية مهمة، كما ان تركيا نفسها تقيم علاقات معقدة حتى مع دول تختلف معها سياسيا، وعلى رأسها اسرائيل، لان منطق الدول لا يقوم على العواطف والشعارات بل على المصالح والحسابات الدقيقة. ولهذا بدا واضحا ان اردوغان لم يكن مستعدا لان تتحول زيارته الرسمية الى منصة جديدة لتصفية الحسابات او تصدير خطاب عدائي نحو المغرب، بل ان تبون بدا وكأنه تلقى رسالة واضحة مفادها انك اليوم في انقرة ولست في قصر المرادية، وان الحديث هنا يجب ان يكون مضبوطا ومحكوما بلغة المصالح لا بلغة الانفعال والشعارات. ولهذا يمكن القول ان تبون، ولو بشكل غير مباشر، بعث من خلال كلمته برسالة واضحة الى جبهة البوليساريو، رسالة تقول ان العالم تغير، وان لغة التهويل والمزايدات لم تعد تجد لها نفس الصدى، وان حتى اقرب الحلفاء للجزائر لا يريدون ان يتم جرهم الى معارك مفتوحة ضد المغرب، لانهم ببساطة يعرفون اين توجد مصالحهم الحقيقية. فلو كان تبون فعلا يمتلك نفس الجرأة التي كان يظهرها في بعض خطاباته السابقة، لكان استعمل كل تلك المفردات التي طالما رددها عن “الاستعمار” و”الاحتلال” و”تقرير المصير”، لكنه هذه المرة اكتفى بعبارات مقتضبة جدا، وكأنه كان يدرك ان اردوغان لن يسمح بتحويل انقرة الى منصة لاستهداف المغرب او الدخول في متاهات سياسية لا تخدم تركيا في شيء. ومن هنا تبدو كلمة تبون في انقرة اشبه بخطاب وداع سياسي غير مباشر للبوليساريو، او على الاقل بداية ادراك جزائري بان العالم لم يعد يتعامل بنفس الطريقة القديمة مع هذا الملف، وان استمرار استنزاف الثروات في نزاع مفتعل اصبح يثير الكثير من التساؤلات حتى داخل الدوائر التي كانت تتعامل مع الجزائر بحذر ومجاملة. لقد فهم تبون في انقرة ان الوضع يختلف حين يكون الجالس امامك رئيسا يعرف كيف يدير مصالح بلاده، ويعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ويعرف ايضا ان السياسة ليست خطابات حماسية تستهلك امام الكاميرات، بل موازين دقيقة تحكمها المصالح والتحالفات والتوازنات الدولية. ولهذا لم يكن خطاب تبون في انقرة مجرد كلمة بروتوكولية عابرة، بل كان في جوهره رسالة سياسية تحمل الكثير من الدلالات، واهمها ان زمن الشعارات القديمة بدأ يتآكل، وان العالم اليوم لا يعترف الا بمنطق المصالح والاستقرار والتنمية، لا بمنطق تصدير الازمات وصناعة العداء المجاني.