هدنة تحركها الذكريات.

ادارة النشر28 أغسطس 2025آخر تحديث :
هدنة تحركها الذكريات.

إدريس طيطي

في انتظار سلسلة الستيني في مدينة البؤساء

أنا العائد من المدينة الأخرى، بحقيبة مثقلة بالحكايات، لم أفتحها بعد. حكايات تئنّ كي تخرج، وصيد ثمين ينتظر أن يُروى في جزء ثانٍ من “ستيني في مدينة البؤساء”. لكنني الآن في هدنة، هدنة أعيشها بين القهوة السمراء وذاكرة تتقافز منها الصور بلا استئذان.

الهدنة لا تعني السكون، بل هي أشبه بتيهٍ جميل؛ تارة يجرّني الخيال إلى حيث يختلط الواقع بالوهم، وتارة تدفعني الصدفة لتوقظ فيّ مشاعر عميقة. والصدفة هذه المرة لم تكن عابرة: رأيت تلك الصغيرة التي كنتُ أعتقد أنها ما تزال طفلة، فإذا بها قد نضجت، وإذا بالزمن قد صنع منها شابة أطول من أمها. لحظتها سمعت داخلي صوتًا يقول: “أيها الستيني، لقد كبرت أنت أيضًا… فالزمن يمضي أسرع مما نظن.”

تلك الطفلة لم تكن عادية في ذاكرتي. كانت من بين من حملتُهم إلى المسرح في لحظة عنادٍ جميل، حين همس البعض في أذني: “أبعدها، إنها خجولة، لن تستطيع مواجهة الجمهور.” لكنني تمسّكت بها. كان في داخلي يقين أن المسرح لا يخذل من يصدّق سحره.

وحقًا، حين أُسدلت الستارة وارتفعت الأضواء، كانت المفاجأة. على الخشبة لم تكن تلك التلميذة الخجولة، بل إنسانة أخرى: واثقة، متألقة، تنطق كلماتها كأنها موسيقى، وتتحرك بحرية كأنها وُلدت لتقف هناك. أبهرت الجميع، وأثبتت أن المسرح قوة قادرة على تغيير الإنسان من جذوره.

نعم، إنه المسرح… السحر الذي يفتح أبواب الخيال، ويكسر قيود الخوف، ويمنح الطفل جناحين.
أسرٌ كثيرة تهتم بالمعرفة واللغات والتكنولوجيا، لكنها تغفل أن أبناءها بحاجة إلى غذاء آخر: غذاء الروح والعاطفة. من دون هذا، ينكمش الطفل، ينعزل، ويصبح غريبًا حتى عن نفسه.

المسرح مدرسة لا تُشبه غيرها. يعلم الجرأة، الثقة بالنفس، الحوار، الذوق، الخيال، الإرادة. يمنح الطفل متعةً ومعنى، حياةً أوسع، ويصنع من خجله قوة، ومن صمته صوتًا.

وأنا، في هذه الهدنة، حين مرّت بجانبي تلك التي كانت صغيرة وصارت أطول من أمها، أدركت أن الزمن يمضي بنا جميعًا، لكن بعض الذكريات تبقى خالدة. وتلك الطفلة التي تحدّت خوفها، وصعدت المسرح لتفوز بالجائزة، ليست سوى شاهد على أن الفن قادر أن يغيّر المصائر، وأن يجعل للحياة نكهة أبقى من مرور الوقت.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة