ادريس طيطي /القنيطرة .
رغم المجهودات الجبارة التي تبذلها مصالح الأمن الوطني من خلال تكثيف دورياتها وسياراتها ودراجاتها النارية، ليلا ونهارا، خصوصا بالمناطق الشعبية التي تعرف ارتفاعا في مؤشرات الجريمة، إلا أن الواقع يثبت أن هذه التدخلات، وإن كانت ضرورية، تظل غير كافية وحدها للقضاء بشكل جذري على الظاهرة الإجرامية.
لقد أضحت الاعتداءات بالسلاح الأبيض، واستعمال الكلاب الشرسة، والهجمات السريعة بواسطة الدراجات النارية، مشاهد مألوفة في بعض الأحياء، ما يفرض التعجيل بوضع خطط محكمة تتجاوز الحلول الظرفية نحو مقاربة استباقية شاملة. فالضحايا، وغالبيتهم من الشباب والشابات، يُستهدفون أثناء ذهابهم إلى مقار أعمالهم، خاصة في الصباح الباكر أو في أوقات متأخرة ليلا، مستغلين ضعف الإنارة بالأزقة والدروب الشعبية.
لا أحد ينكر أن الحملات الأمنية المتواصلة تزرع الاطمئنان في نفوس المواطنين، لكن المطلوب اليوم هو تنسيق متكامل يبدأ منذ تحرير المحاضر وصولاً إلى إصدار الأحكام، مع التطبيق الصارم للقوانين دون أي تساهل مع المجرمين. ذلك أن التراخي في ردع المعتدين يفتح الباب أمام تفشي الفوضى وزعزعة الاستقرار.
ولتجاوز النجاعة المحدودة للحملات الظرفية، يقترح العديد من المتتبعين تبني استراتيجية أمنية تعتمد على الدراسات الميدانية الدقيقة. تبدأ بتكليف فرق شرطة متخصصة بإنجاز بحوث معمقة وسط المناطق الشعبية، لرصد أوكار المجرمين وتحليل أنشطتهم اليومية، ومعرفة أوقات تحركاتهم، ومسالك فرارهم، ومخابئهم السرية. هذا العمل الاستقصائي الدقيق، الذي قد يستغرق عدة أسابيع، سيمكّن من وضع خرائط أمنية تفصيلية تمهّد لتدخلات نوعية تقوم بها فرق مدربة ومحنكة، قادرة على توقيف المتورطين في أوكارهم أو حتى وهم نيام في منازلهم، بناءً على معطيات ميدانية دقيقة وليس مجرد حملات عشوائية.
بهذه الطريقة، سنتمكن فعلاً من كبح جماح الإجرام بشكل فعّال، وتوجيه ضربات استباقية قاضية للمجموعات الإجرامية، عوض الاكتفاء بإيقافات ظرفية لا تسمن ولا تغني من جوع.
الأمن مسؤولية مشتركة، لكنه يبدأ أولاً بخطط مدروسة، قوامها الذكاء الميداني والعمل الاستباقي المستند إلى المعطيات الواقعية، من أجل بناء مجتمع آمن ومستقر.










