بقلم المستشار الدكتور/ حسن بن ثابت
في كل مرة ينتقد فيها الاحتلال الإسرائيلي، أو تُسلط الأضواء على جرائمه المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، تخرج الأبواق السياسية والإعلامية من مخابئها، رافعة لافتة التحذير: “هذا خطاب معادٍ للسامية”. !؟
وكأن هذه التهمة باتت السلاح الجاهز لاغتيال أي صوت حر، ولتكميم كل فم يجرؤ على قول الحقيقة.
التناقض الصارخ هنا لا يمكن تجاهله. فمن المثير للسخرية أن يتهم العربي، وهو سليل سام بن نوح، بأنه معاد للسامية.
من هم الساميون أصلًا؟ العرب، واليهود، والآراميون، والكنعانيون، والأكاديون، جميعهم شعوب تنحدر من الجذر نفسه. السامية هوية حضارية ولغوية وتاريخية، لا يمكن احتكارها أو تحويلها إلى درع سياسي يحمي دولة تمارس الاحتلال بالقوة، وتُلبسه أثواب الضحية.
منذ سنوات، لم تعد عبارة “معاداة السامية” تستخدم بوصفها موقفًا أخلاقيًا ضد العنصرية، بل تحولت إلى سلاح أيديولوجي، وإلى فزاعة يخيف بها المدافعون عن الاحتلال كل من يحاول فضح الواقع. يشيطن بها المثقف، ويحاصر بها الصحفي، وتلغى بها المؤتمرات، وتقصى الأصوات.
الخطورة لا تكمن فقط في سلب حق الناس في التعبير، بل في تقويض جوهر النقاش نفسه. إذ يستبدل الجدل حول الأفعال – الاحتلال، القتل، الحصار، سرقة ونهب الأرض – بجدل حول النوايا.. هل أنت عنصري؟ هل تكره اليهود؟ ويترك الجلاد طليقًا، بينما يحاكم من يسلط الضوء على جريمته.
ولا بد من التوضيح هنا: رفض السياسات الإسرائيلية لا علاقة له بكراهية اليهود. كما أن من ينتقد ممارسات نظام ما، لا يرفض شعبه أو ديانته. هذه بديهيات في أي نقاش حر، لكنها تطمس عمدًا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
الغرب، الذي يدعي احتضان حرية التعبير، لا يتردد في قمع أي رأي يخالف السردية الإسرائيلية. لا نسمع تهمة “معاداة المسيحية” تلصق بمن ينتقد الفاتيكان، ولا توجه تهمة “معاداة الغرب” لمن يعترض على سياسات واشنطن. لكن حين يتعلق الأمر بإسرائيل، تتبدل القواعد.
إن ازدواجية المعايير لم تعد تثير الغضب فقط، بل باتت تجرح الضمير العالمي. في حين تبرر رسومات تسيء لنبي الإسلام باسم حرية التعبير، يلغى أي نشاط يدين الاحتلال الإسرائيلي بدعوى أنه “يحرض على الكراهية”. هكذا تفصّل الحرية وفق المصالح، وتقص وتفصل حسب الهوى.
وإذا كانت “معاداة السامية” قد نشأت لحماية ضحايا اضطهدوا في أوروبا، فقد حان الوقت للاعتراف بأنها اليوم تستخدم لحماية جلاد يمارس الظلم في وضح النهار، على مرأى من العالم، بلا رادع.
فهل باتت المطالبة بإنهاء الاحتلال تهمة؟ وهل أصبح الدفاع عن كرامة الإنسان عملاً تحريضيا؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن الصمت ليس حيادًا، بل مشاركة في الجريمة.
ما يحدث اليوم هو عملية خلط متعمدة للمفاهيم. النقد مشروع، والمساءلة حق، ولا يجوز أن يتحول الدفاع عن شعب محتل إلى جريمة، بينما يعامل المحتل كضحية أبدية، لا يسأل ولا يحاسب.
في مواجهة هذا الزيف، لا بد من قولها بوضوح: ليس كل من يرفع صوته ضد الظلم معاد للسامية، بل قد يكون أكثر وفاءً للعدالة من أولئك الذين يتسترون خلف شعارات مزيفة، ويصطفون طوعًا إلى جانب القوة على حساب الحقيقة.











