عاشوراء… تعرينا

ادارة النشر5 يوليو 2025آخر تحديث :
عاشوراء… تعرينا

إدريس طيطي

مع كل عاشوراء، لا تعود المناسبة كما كانت في الذاكرة الشعبيّة؛ مناسبة فرح وتراث، بل تتحوّل إلى جرس إنذار، يكشف مرّة أخرى هشاشة منظومتنا التربويّة، ويُظهر للعلن ما نخجل أحيانًا من الاعتراف به: نحن نفشل، عامًا بعد عام، في تربية أجيال تُحسن فهم المعنى، وتُفرّق بين الاحتفال والفوضى.

حي البوشتين، كنموذج صارخ، يعيد طرح الأسئلة المقلقة كل سنة. باعتباري أحد أبناء هذا الحي، عايشت على مدى هذا الأسبوع مشاهد تعيد إنتاج نفسها وكأنها قدر لا مفرّ منه. رجال الأمن والقوات المساعدة تنتشر في الأزقّة، تتمركز قرب المقبرة، تمشّط المكان بحثًا عن أطفال يخبّئون “بنّوات” قديمة، وإطارات مهترئة، وخشبًا وحطبًا، استعدادًا لليلة “الشعالة”. لا لأنهم مجرمون، بل لأنهم تُركوا دون توجيه، دون رقابة، دون بدائل.

يوم الثلاثاء الماضي، وفي درجة حرارة خانقة، شاهدت بأمّ عيني عناصر القوات المساعدة مرابطين بالجنب، وعيونهم متّجهة نحو المقبرة، يرصدون العجلات المخبّأة كما لو أنّهم يفتّشون عن قنابل. في تلك اللحظة، لم أستطع منع نفسي من التساؤل: ماذا وقع لنا؟

هؤلاء الأطفال، الذين من المفروض أن يكونوا في حضن أسرة ترشدهم، وجدوا أنفسهم مطاردين كما لو كانوا خطرًا أمنيًّا. في المقابل، تغيب الأسرة تمامًا. بعض الأمهات غارقات في النوم، وأخريات أسيرات المسلسلات، بينما الأطفال تطاردهم قوات الأمن وكأنهم مذنبون.

ليست المشكلة في الأطفال، فهم نتاج واقع يعيد إنتاج العشوائيّة على كل المستويات. المشكلة في بنية أسريّة منهكة، ومدرسة عاجزة عن أن تكون ملاذًا تربويًّا، وسلطات تُترك لتتدخّل بعد فوات الأوان.

أليس من واجب السلطة المحليّة أن تتحرّك قبل “الشعالة”؟
أليس من دورها أن تبعث إشعارات وتحذيرات إلى الأسر؟
بل لماذا لا تُفعَّل العقوبات الزجريّة ضد أولياء الأمور المهملين، الذين يتركون أبناءهم يعبثون في الأزقّة والمقابر، كما لو أنّهم بلا مسؤوليّة؟

المشهد يتكرّر سنويًّا، والجهات الأمنيّة تنهك قواها في مهام لا تدخل أصلًا في صميم دورها. رجال الأمن وُجدوا لمحاربة الجريمة، لا لملاحقة أطفال يبحثون عن لعبة ناريّة في ليلة مشتعلة بالفراغ.

إنّنا في حاجة إلى حلّ جذري، لا ترقيع مؤقّت. إلى وحدات أمن مجتمعيّة قريبة من الأحياء، تتعرّف على العائلات وترافقها، وتعمل بشراكة حقيقيّة مع الجمعيّات والمدارس، لخلق تربية استباقيّة، لا ردود أفعال متأخّرة.

عاشوراء أصبحت، للأسف، مناسبة تُعرّي الواقع أكثر مما تُبهج الأرواح.
تكشف أطفالًا بلا رعاية، وأسرًا بلا وعي، ومدارس بلا تأثير.

نحتاج إلى وعي جماعي يبدأ من البيت، إلى آباء وأمهات يُدركون أن التربية ليست صدفة، وأنّ التقصير ليس خيارًا.
نحتاج إلى مدرسة تُعلّم الحياة لا الحفظ، إلى إعلام يُنير لا يُنوّم، وإلى مجتمع يستفيق قبل أن يتحوّل أطفاله إلى رماد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة