إدريس طيطي
لم يكن مساء الامس مجرد مباراة افتتاحية تجمع المنتخب المغربي بنظيره الموزمبيقي فوق ارضية ملعب طنجة الكبير، بل كان لحظة وطنية رفيعة راينا فيها مغربا جديدا يطل على العالم من بوابة منشاة رياضية تليق باسمه. كنت هناك كصحفي، بين جمهور غفير يشهد على اولى انفاس هذا الملعب الجميل، بالوانه الزاهية وتصميمه المهيب وروحه التي اسرت الحاضرين قبل ان تسحر عدسات الاجانب وضيوف المدينة. الجميع كان يتغنى بجمالية المكان، وبروعة التنظيم التي مهدت لانطلاقة واعدة.
وانا اكتب هذا الموضوع اليوم، لا اتحدث عن نتيجة المباراة، ولا اداء اللاعبين، ولا التشكيلة، ولا مستوى اللعب. هذه امور لها سياقها الرياضي، وليست موضوعي الان. ما جرى لي، وجر قلمي، هو شيء اخر تماما. انه السلوك المؤلم الذي ظهر من بعض ابناء الوطن. هذا السلوك هو الذي دفعني الى طرح هذا الموضوع، بعيدا عن كل ما هو رياضي.
فبين الامس واليوم، ظهر وجه اخر للحدث. وجه لم يصنعه خصوم المغرب في الخارج، بل ساهم في صنعه بعض ابناء هذا الوطن. صور وفيديوهات التقطت من زوايا محددة، وباسلوب يضخم تفاصيل بسيطة، ليتم تقديمها كأنها كوارث انشائية وفضائح هندسية. قطرات ماء تحولت الى فيضانات، وشقوق عابرة صارت انهيارات، وكل ما امكن تضخيمه ضخم. وهكذا فتح الباب واسعا امام الالة الاعلامية المعادية، خاصة الاعلام الجزائري الذي وجد مادته جاهزة لينسج منها ما يريد.
والمؤلم هنا ليس شماتة الخصوم، فهذا امر معتاد. المؤلم ان الضرر جاء هذه المرة من داخل البيت. وهنا يستقيم معنى البيت الشعري الذي وضعته:
ظلم ذوي القربى اشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند.
فحين يسيء الابن الى صورة وطنه، وحين يقدم مادة مجانية للعدو ليهاجم بها بلده، يكون الالم اكبر والخسارة مضاعفة. نعم، قد توجد نقائص تقنية عادية في اي منشاة، ومعالجتها امر طبيعي. لكن تحويل التفاصيل العابرة الى فضائح، وتصويرها بطريقة تستهدف سمعة الوطن قبل كل شيء، هو فعل يجرح قبل ان ينبه.
اليوم، ومع كثرة الاستحقاقات الرياضية التي تنتظر المغرب، من كاس امم افريقيا الى كاس العالم عشرين ثلاثين، نحن احوج ما نكون الى الوعي، والى ضبط النفس، والى ادراك ان عدسة الهاتف قد تكون احيانا اقوى من اي بلاغ رسمي. وما ينتشر في دقيقة، قد يحتاج اشهرا لتصحيحه.
لقد اثبت ملعب طنجة الكبير بالامس انه تحفة معمارية قادرة على احتضان اكبر التظاهرات، وان صورته الحقيقية هي تلك التي رآها العالم من المدرجات، لا تلك التي صنعت في هواتف تبحث عن الاثارة.
ويبقى السؤال المؤلم:
لماذا نمنح خصومنا اسلحة مجانية؟
ولماذا يختار البعض ان يصبح اداة في يد من لا يريد لنا خيرا؟
ان الوطن ليس مجرد منشآت، بل هو روح وصورة وسمعة، ومن واجبنا جميعا ان نصونها.
.











