إدريس طيطي
الخيال السابع والعشرون
هذا أنا… جالس كما اعتدت، بيني وبين الليل صمت ثقيل، وقهوتي تبرد على الطاولة، تتبدد حرارتها كما تبخرت أشياء كثيرة من حولي. لكن شيئا واحدا لا يتبدد… وجهه. وجهه يأتيني بلا إذن، يخترق شرودي، يتسلل من زاوية الضوء الخافت، يربكني… ثم يختفي
لم أعد أقدر على الصمود. صورته تتردد علي كرجفة في القلب، تعكر مزاجي، تقتحم علي وحدتي، تربكني وأنا أحتسي قهوتي التي ما عادت تسعفني في ترتيب هذه الفوضى. كلما ظننت أنني تجاوزت الأمر، أنني نسيت، أنني طويته كما تطوى صفحة قديمة… انشقت الذاكرة عن صورته من جديد، وعاد إلي كأنه يطلب شيئا أن أبحث عنه، أن أذهب إلى تلك الأمكنة التي يتردد عليها
أحاول طرد الفكرة… أقول لنفسي انعل الشيطان، راه ماشي شغلك. ثم أتذكر أنني في ذلك اللقاء العالق، لم أتكلم معه. لم أسأله. لم أواجهه. بقيت كأنني عابر سبيل في حكايته، وغادرت دون أن أنهي كلامي. وهذه الفجوة… تأكلني
مرات كثيرة رأيته. كنت أرمقه من بعيد، أعبر الشارع المقابل، أُباطئ في مشيتي حتى أراه يمر. لا يمد يده، لا ينظر في وجوه المارة، فقط يمشي… كأنه لا ينتمي لأي شيء. بلا عنوان، بلا هدف، بلا نقطة رجوع
لكنني أعرفه. أعرف كل شيء عنه، أو هكذا كنت أظن. أعرف مشيته حين كان صغيرا، نبرة صوته الخافتة، طريق المدرسة الذي جمعنا، التنهيدة التي كان يطلقها بصمت كل صباح
كنا نذهب معا نحو الإعدادية. هو إلى إعداديته التي يدفع فيها أهله قسطا، وأنا إلى إعدادية عمومية مجاورة. لم يكن بيننا كثير من الكلام، لكنني كنت أحاول دائما. كنت، كما يعرفني كل من عاشرني، مولعا بالنكتة، بالقفشات التي تفجر الضحك. لكن هو… بالكاد كنت أخرج منه نصف ابتسامة، نصف ضحكة، نصف حضور
كانت ضحكته وكأنها خدمة يؤديها لي لا أكثر، كأنه لا يضحك من قلبه، بل يرضيني فحسب. لم يكن يمشي مع أحد سواي، لا يسبقني إلى المدرسة، بل ينتظرني في نقطة ثابتة، لا يقترب من باب بيتي، ولا يريدني أن أقترب من بابهم
وذات صباح تأخرت. فقررت أن أذهب إليه. طرقت بابهم. فتح أخوه، نظر إلي نظرة خشنة وقال راه مشى للمقبرة، ثم أغلق الباب
ذلك الباب لم يُغلق فقط في وجهي، بل أُغلق على شيء مظلم، شيء لا يُحكى. شيء كنت أشعر بوجوده دائما خلف صمت صاحبي، لكن لم أكن أملك له اسما
وفي الغد لم أقل شيئا. فقط ابتسمت له وأعذرت تأخره. كان ذلك صمتي الأول، ولاحقا سيصبح ندما طويلا
اليوم… وبعد مرور سنوات، لم تعد الحكاية تتركني. لم أقتنع أبدا بأنه جن. لم أصدق أن ذلك الصمت كان بريئا. شيء ما فيه كان يصرخ طيلة الوقت
والحق أنني، مثل باقي أبناء الحي، كنت أعلم. نعرف جميعا أن أخاه الأكبر لم يكن سويا. كانوا يقولون إنه مريض، لكنه لم يكن يتعالج، بل كان يفرغ علته في جسد أخيه الصغير. كان يضربه، يعذبه، يجلده بالسياط. لا أحد تدخل، لا أحد سأل، حتى نحن، اكتفينا بالهمس. وربما… نعم، ربما كان ذلك الألم الصامت هو أول من قاده إلى الجنون
مات ذلك الأخ. اختفى. وبدل أن تعود الروح إلى البيت، اشتد فيه الصراع. أصبح المنزل قطعة نزاع بين الورثة. وكان هو… صاحب الدار، الذكرى، الطفولة، النصف الباقي من الحكاية… يتسكع بين الحاويات، ضائعا، شريدا، لا سند له ولا ظل
خرجت أبحث عنه. ليس فضولا، بل لأن اللقاء الأخير بقي عالقا، مشوشا، غامضا. ذهبت إليه هذه المرة لا لأراه فقط، بل لأسمع منه. ليقنعني، عساني أن أرتاح من صورته المتسخة الزرقاء التي لا تفارق مخيلتي. تلك التجاعيد التي كأنما لا رسمتها الشيخوخة، بل نحتها القهر
وجدته… نعم، وجدته. واقفا بجانب حاوية، لا ينبش فيها، لا يلتفت، لا يسأل. فقط واقف، كأنه جدار قديم هجره الزمان. ناديته. التفت. نظر إلي، ولثوان، رأيت في عينيه ما يكفي لتكسير القلب. رأى في شيئا، ربما تذكر، ثم ولى هاربا
لم أتبعه. فقط بقيت في مكاني، منهارا من الداخل. فكرت ما الذي كان داخل ذلك المنزل ما الذي كسره بهذا الشكل ما الذي جعله يخرج من التغطية كلها حتى عن نفسه كيف تحول من شاب يضرب به المثل، إلى شبح في جسد يمشي بيننا
هذا ليس مجرد مشرد. هذه ذاكرة لم تنته. حكاية لم تُفهم. نداء داخلي لا يريد أن يصمت
اللهم لا تكتب علينا ما لا نحتمل، ولاورفعت يدي إلة ربي متوسلا اللهم لا تجعلنا نرتاح يوما، إن ارتاحت ضمائرنا عمن أحببناه وتركناه وحيدا









