إدريس طيطي
(لخيال الخامس والعشرون )
هذا انا
لم اخرج الليلة، خذلتني قدماي، او خذلتني الرغبة في الاصطياد
جلست في زاوية من البيت، كأنني على رصيف منسي داخل روحي، اراقب سكون الليل وهو يتسلل الى الغرفة ببطء
ليس كل الحكايات تأتيني من الازقة، بعضها يهجم علي وانا بين جدران هذا البيت، وحيدا، اكتب خواطر العمر المتبقي
كنت ارتب كلماتي فوق دفتر قديم، حين اختل توازني العاطفي، وهاج بي شيء يشبه الغضب النبيل، المقرون بالحسرة
تذكرت الطبيب محمد المشالي، ذاك الرجل الذي ودعنا بصمت، لكنه ترك لنا صوتا اعلى من كل الضجيج
تذكرت حلقة قديمة من برنامج اماراتي اسمه “قلبي اطمأن”، حيث ظهر “غيـث”، ذاك الشاب الذي يتجول متخفيا، يوزع الخير ويختبر المعادن
واذ به يلتقي الطبيب المشالي… اراد ان يمنحه تجهيزات طبية حديثة، اراد ان يفتح له باب الملايين، والراحة، والرخاء
لكن الرجل… ذاك الشيخ الوقور، رده برفق وثبات. رفض، لان فقراءه اولى، وعيادته البسيطة كافية، وربه اكرم من كل عطاء
بكيت، نعم بكيت وانا في مكاني
تخيلت كم طبيبا اليوم لا يعرف الا لغة المال، يساوم على صرخة وجع، او يبتز امرأة تلد وهي بين يدي الرحمن
تخيلت تلك النظرات التي رأيتها ذات يوم في عيني مريضة فقيرة، حين اخبرها الطبيب ان العملية لن تجرى الا بالدفع الكامل
ونسوا ان الرحمة قبل الطب، وان انسانيتهم تقاس بما يمنحون، لا بما يجمعون
حكايتي الليلة ليست عن رجل متجبر كما في الليالي الماضية
هي عن قهر صامت يسكن المستشفيات، وعن وطن جائع الى اطباء كالمشالي، لا يباعون ولا يشترون
تسمرت في مكاني
وتذكرت وصية والدي من جديد، التي احس بها كأنها تطاردني كخيط دخان، حين قال لي: “اياك ان يشتكيك احد الى الله… اياك ان تجد نفسك في موضع قوة وتظلم… لو كتب عليك ان تكون بمقام هذا، فكن رحيما، فربك حرم الظلم على نفسه”
كم من طبيب نسي هذه القاعدة المقدسة
كم من مستشفى تحول الى سوق
كم من حياة تدهورت لان الطبيب لم يكن طبيبا، بل تاجرا باثواب بيضاء
لم اخرج الليلة، لكن العالم دخل الي
كأن ابواب الوجع كلها كانت تنتظرني كي اكتب عنها
وانا… رجل ستيني، كلما اعتقدت ان الدمع جف، سال مجددا
هذا انا
ستيني في ليل المدينة
لكنني الليلة لم اتسلل الى الشوارع
بل تسللت ذاكرتي الى قلبي، وجلست انصت لها
وحين فرغت من نزفها، ادركت كم نحن فقراء الى الرحمة، لا الى الدواء فقط.









