إدريس طيطي
الوجع ما فبل الأول (1)
لست أدري كيف يمكن لي أن أتخلص من أصوات ما زالت عالقة في أذني… ومن أوجاع رافقتني حتى وأنا في المدينة الأخرى. كنت أظن أن السفر مع أسرتي سيكون فسحة استجمام، مهربا من ليل مدينتي ووجوهها الحزينة، لكن المدينة الأخرى لم تتركني وشأني. وجوه مكفهرة، عيون مطحونة، خطوات مثقلة بالهزيمة… مشهد واحد كان كافيا ليفتح في داخلي الجرح الذي حاولت ترقيعه.
جئت أطلب هدنة مع الليل، أستسلم لصوت البحر وأماكن خضراء ، وأتنفس هواء بلا حكايات، لكنني وجدتني أتهيأ لالتقاط قصص جديدة… أكثر قسوة، أكثر التصاقا بروحي، كأن أحدهم دفعني نحوها بكل قوة .
وهكذا، انفتح الباب إلى فصل جديد من حكايتي… ستيني في مدينة البؤساء.
لكن هذه المرة، لم يكن الستيني وحده. فجأة، أطلت “هي هي”… دخلت المشهد بلا دعوة، وكأنها تحمل رسالة خفية: “قف… مالك ومال هذا الستيني؟ أفرغ جيوبك من أثقاله، وانظر إلى نفسك… أنت من أنهكته أوجاع قومه، لا هو.”
كان كلامها يلسعني مثل ريح باردة. شعرت أنني ممزق بين ثلاثة وجوه:
الستيني الذي يلاحق الحكايات وسط ظلام المدينة.
أنا المغلوب على أمره، بعد ان وجدت نفسي عاجزا امام اوجاع قومي..
و**”هي هي”** التي تصر أن تنتشلني من تشابه قسري، فرض علي أن أعيش ظلال الستيني وكأنها حياتي.
في عينيها، كانت دعوة للانفصال عن كل ما يشدني للخلف… لكن في قلبي، كان هناك خيط خفي يربطني به، بخوفه، بحنينه، وحتى بانكساره.
في تلك اللحظة، أدركت أن الصراع القادم لن يكون فقط بيني والمدينة، بل بيني ونفسي… بين صوت يقول: “انج بروحك”، وصوت آخر يهمس: “ابق… فما زال في الليل حكايات لم تُكتب”
.











