الحصاد 24

حرائق الجزائر تكشف المستور… صمت الإعلام وتصريحات مصطفى بونيف تحت المجهر

alt=
إدريس طيطي – مجرد رأي –
أحيانا نجد أنفسنا مجبرين على التطرق إلى مواضيع قد يعتبرها البعض تدخلا في الشؤون الداخلية للدول، لكننا نكون، في الحقيقة، أمام واجب أخلاقي يفرض علينا كشف الادعاءات، وتعرية الحقائق التي تحاول بعض الأبواق المأجورة إخفاءها عن الشعب الجزائري المتألم. فبدل أن تنقل له حقيقة ما يجري، وتنشغل بما يخفف من معاناته، تدفعه إلى متاهات وقضايا لا تعنيه بقدر ما تعنيه مواجهة الحرائق، وحماية الأرواح والممتلكات، والدفاع عن حقه في أن يجد دولة وإعلاما يقفان إلى جانبه في لحظات الشدة.
ما يجري اليوم في الجزائر ليس مجرد حرائق غابات، بل مأساة إنسانية يعيشها مواطنون وجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام ألسنة اللهب، يوثقون احتراق منازلهم وضيعاتهم وممتلكاتهم بهواتفهم المحمولة، ويطلقون صرخات استغاثة موجعة، بينما يشعرون بأن أحدا لا يسمعهم.
المفارقة أن الاستوديوهات التي كانت، إلى وقت قريب، لا تتوقف صباح مساء عن الحديث عن المغرب، وعن كل صغيرة وكبيرة فيه، اختفى صوتها عندما أصبح الواجب الوطني يفرض عليها نقل معاناة أبناء جلدتها. تلك المنابر التي كانت تخصص ساعات طويلة لمهاجمة المغرب والتشكيك في مؤسساته ورموزه، بل وصل الأمر إلى تسخير محامين للدفاع عن المنتخب السنغالي بعد الطعن الذي رافق مشاركته في كأس إفريقيا، وتخصيص ساعات من التغطية الإعلامية لمتابعة تلك القضية، غابت عنها الحماسة نفسها عندما تعلق الأمر بمأساة المواطنين الجزائريين وهم يواجهون الحرائق وآثارها.
وسط هذه الكارثة، خرج مصطفى بونيف ليؤكد أن الجزائر تتوفر على أكثر من ست عشرة طائرة “كنادير”، وأن الجيش الجزائري والحماية المدنية يسيطران على الحرائق، مضيفا أن هذه الطائرات لا يمكن توزيعها على جميع المناطق في الوقت نفسه. تصريح أراد به طمأنة الرأي العام، لكنه بالنسبة لكثير من الجزائريين لم يكن كافيا أمام مشاهد الحرائق التي كانت تلتهم كل شيء أمام أعينهم.
وفي المقابل، خرج وزير الداخلية ليؤكد أن وسائل التدخل موجودة، وأن عدد الوفيات بلغ ستة فقط. لكن حتى وفاة إنسان واحد تستحق أقصى درجات التعبئة، فكيف بستة مواطنين فقدوا حياتهم؟ ففي دول أخرى، قد تكون وفاة شخص واحد في كارثة طبيعية كافية لإعلان حالة الطوارئ، لأن قيمة الإنسان لا تقاس بالأرقام، بل بقدسية حياته.
السؤال الذي يطرحه الجزائريون اليوم قبل غيرهم واضح: أين الإعلام؟ أين المؤثرون؟ أين الاستوديوهات التي كانت مرابطة طوال كأس إفريقيا وكأس العالم؟ لماذا لم تتحول إلى منصات للدفاع عن الشعب الجزائري؟ لماذا لم ترفع صوتها مطالبة بتوفير المزيد من الطائرات والآليات والإمكانات؟ أين ذهبت عائدات الغاز والبترول؟ وأين صرفت الثروات التي كان يفترض أن تحمي المواطن في مثل هذه الكوارث؟
كان الجزائريون ينتظرون أن يخرج رئيس الجمهورية ليطمئنهم، ويقف إلى جانبهم، ويعلن عن مراجعة حقيقية لسياسات مواجهة الحرائق والكوارث الطبيعية. لكن ما شاهده الرأي العام كان مختلفا؛ ظهور في أجواء احتفالية إلى جانب رئيس الحكومة الإسبانية، وتقاسم قالب حلوى، في وقت كانت فيه مناطق من الجزائر تحترق. مشهد ترك كثيرا من الجزائريين في حيرة، وأثار لديهم تساؤلات مشروعة حول ترتيب الأولويات.
لقد أنفقت الجزائر، ولسنوات طويلة، أموالا طائلة على ملفات خارجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، ودعم جبهة البوليساريو وتمويل أنشطتها وتحركات قياداتها داخل الفنادق والعواصم الأوروبية وأمريكا اللاتينية، بينما كان الأولى أن توجه هذه الإمكانيات لتعزيز قدرات البلاد في مواجهة الكوارث، وحماية المواطن الجزائري، الذي وجد نفسه اليوم يواجه النيران بإمكانات محدودة، ويوثق مأساته بكاميرا هاتفه، منتظرا من يسمع صوته.
من باب العتاب لا الشماتة، لأن الشعوب لا ينبغي أن تدفع ثمن الحسابات السياسية، ولأن الإنسان يجب أن يكون دائما أولوية على كل الملفات الأخرى. فالجزائري الذي احترق بيته، وفقد أرضه ورزقه، لا تعنيه الشعارات، بل تعنيه طائرة إطفاء تصل في الوقت المناسب، وإمكانيات حقيقية تحمي حياته وحياة أسرته.
إن ما كشفته هذه الحرائق لا يقتصر على حجم الخسائر، بل كشف أيضا حجم الهوة بين الخطاب والواقع، وبين الانشغال بملفات خارجية وإهمال أولويات المواطن. فحين يصرخ الإنسان طلبا للنجدة، لا يحتاج إلى الشعارات، بل يحتاج إلى من يسمعه، ويحميه، ويضع حياته فوق كل اعتبار.
رحم الله الضحايا، وشفى المصابين، وعوض كل متضرر خيرا. ويبقى الأمل أن تتحول هذه المأساة إلى درس يعيد ترتيب الأولويات، ويجعل المواطن قبل السياسة، والإنسان قبل كل الحسابات.

#حرائق_الجزائر
#مصطفى_بونيف
#الإعلام_الجزائري
#الجزائر
#حرائق_الغابات
#الرأي_والتحليل
#الحصاد24
Exit mobile version