فيديو يثير الجدل.. بين حرية المعتقد وثوابت الهوية الدينية في المغرب
ادريس طيطي _ مجرد رأي _
أثار ظهور فتاة مغربية تعلن تشيعها علنا موجة من الجدل، سرعان ما تحولت إلى نقاش أوسع حول هوية المغاربة الدينية، وحدود حرية المعتقد، بل وحتى عن احتمالات الاختراق المذهبي والسياسي. غير أن هذا الجدل، في كثير من الأحيان، انجرف نحو التهويل والتعميم، متجاهلا حقيقة أساسية: المغرب، تاريخيا ومؤسساتيا، من الصعب اختراقه بهذا الشكل السطحي أو عبر حالات فردية معزولة. المغرب ليس مجرد فضاء جغرافي يمكن أن تتسلل إليه أفكار بسهولة، بل هو كيان متماسك قائم على قرون من الاستقرار الديني والمذهبي، حيث تشكل العقيدة السنية المالكية، إلى جانب مؤسسة إمارة المؤمنين، صمام أمان حقيقي ضد كل أشكال الانحراف أو التوظيف الخارجي للدين. هذا التراكم التاريخي جعل من الهوية الدينية للمغاربة جزءًا من وعيهم الجماعي، وليس مجرد خيار عابر يمكن تغييره بتأثير فيديو أو موجة عاطفية عابرة على وسائل التواصل. ما حدث مع هذه الفتاة، مهما كانت دوافعه، لا يمكن أن يُقرأ إلا في سياق فردي بالدرجة الأولى. فقد يكون بدافع قناعة شخصية، أو تأثر بمحتوى رقمي، أو حتى رغبة في إثارة الانتباه. أما القفز إلى فرضية أنها مدفوعة من جهات داخلية أو خارجية، فهو استنتاج يحتاج إلى أدلة، لا إلى انطباعات. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن السياق الإقليمي، بما فيه من صراعات وتوظيف للدين في السياسة، يفرض نوعًا من اليقظة، دون أن يتحول ذلك إلى هوس جماعي أو خطاب تخوين شامل. الحديث عن “تمدد التشيع” في المغرب غالبا ما يتم تضخيمه، خصوصا عند ربطه بمواقف سياسية مثل التعاطف مع إيران في صراعاتها الدولية. والحقيقة أن جزءا كبيرا من هذا التعاطف، إن وجد، لا ينبع من انتماء مذهبي بقدر ما يرتبط بعوامل سياسية وعاطفية، مثل العداء لإسرائيل لحتلالها لفلسطين واعتداءاتها على شعبها أو التعاطف مع قضايا المنطقة. الخلط بين هذا وذاك يؤدي إلى قراءة مشوشة للواقع، ويمنح الظاهرة حجما أكبر مما تستحق. الأخطر من الظاهرة نفسها هو أسلوب التعامل معها. فالدعوات إلى القمع أو “الضرب بيد من حديد”، وخطابات التكفير والتخوين، لا تحصن المجتمع بقدر ما تفتح أبواب الفتنة. كما أن ترويج صورة نمطية ومبالغ فيها عن المذاهب الأخرى، دون تمييز أو علم، يضعف النقاش ويحوّله من حوار فكري إلى صراع إيديولوجي. المغرب قوي بتوازنه، وبمؤسساته، وبنموذجه الديني الوسطي الذي أثبت قدرته على الصمود أمام تيارات أكثر تطرفا وخطورة عبر التاريخ. لذلك، فإن التعامل مع مثل هذه الحالات يجب أن يكون بعقلانية، عبر تعزيز التأطير الديني الرصين، وتقوية الوعي المجتمعي، وترك المؤسسات المختصة تقوم بدورها عند الحاجة، دون تهويل أو تهوين. لا يمكن لفيديو، ولا لحالة فردية، ولا حتى لموجة عابرة على الإنترنت، أن تهز ثوابت بلد متجذرة منذ قرون. المغرب ليس ساحة مفتوحة للاختراق، بل نموذج في الاستقرار الديني، وأي قراءة تخالف ذلك، إنما تعكس قلقا مبالغا فيه أكثر مما تعكس واقعًا حقيقيا.